نقل أنّه مرّ مع أخ له بقرية ، فقال الأخ : هذه القرية موضع جيّد ، ومقام حسن . فقال يحيى : أحسن منها قلب فارغ منها ، لا يلتفت إليها وإلى أمثالها ، ولكن اكتف من الملك بالملك .
نقل أنه دعي إلى دعوة ، وأنه كان قليلا ، فألحّوا عليه ليأكل ، قال : لا نضع من اليد مقرعة الرياضة طرفة عين ؛ لأنّ هوى النفس قد اختفى علينا ، وينتظرنا في المرصد ، فإن سلّمنا إليه العنان لحظة تورّطنا .
نقل أنه كان عنده في ليل شمع مشعول ، فهبّت ريح أطفأته ، فصاح يحيى باكيا ، وجزع متضرّعا ، فقيل : وما أصابك ؟ قال : شمع الإيمان في صدورنا كذلك مضيء ، فنخاف من أن تهبّ لنا ريح من رياح الاستغناء وتطفئه .
قيل : الدنيا عنده لا تساوي مع ملك الموت حبة . قال : لو لم يكن ملك الموت لم تساو الدنيا حبة . قيل : وكيف ذلك ؟ قال : لأن الموت حبس يوصل الحبيب إلى الحبيب .
وبلغ يوما في قراءته هذه الآية :
آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ الأعراف : 121 ] قال :
إيمان لحظة لا يعجز عن محو كفر مئتي « 1 » سنة ، فإيمان سبعين سنة كيف يعجز عنه ؟ ! .
أقول : يشير إلى أن الكافر إذا آمن فإيمانه يهدم ما كان قبله من الكفر والمعاصي ، وإن كان ذلك الإيمان ساعة وأقلّ ، ثم يموت ، فالإيمان الأزليّ المستمرّ - رزقنا اللّه تعالى - أولى بذلك . واللّه أعلم . .
نقل أنه قال : إن قال اللّه تعالى « 2 » يوم القيامة لي : يا يحيى ، ماذا تريد ؟
أقول : يا إلهي ومولاي ، أريد أن ترسلني إلى قعر جهنم ، وتأمر بأن تضرب لي خيمة من النار ، ويوضع سرير ، فإذا قعدت على ذلك السرير تأذن لي أن أتنفّس بما وضعت في سرّي ليحترق مالك وجميع خزنة جهنّم مع جهنم ، ويصير الكلّ
هامش
( 1 ) في ( أ ) : محو كفره مئتي .
( 2 ) في ( ب ) : نقل أنه قال اللّه تعالى .