وجهرا ، وليلا ونهارا ، ما رأيته في هذه المدّة مكشوف الرأس ، ولا مدّ رجله استراحة ، قلت له : يا إمام المسلمين ، إن مددت رجلك لحظة في الخلوة ، ماذا يكون ؟ قال : رعاية الأدب من اللّه أولى .
نقل أنه كان يمضي إذ رأى صبيّا قد وقع في الوحل ، وانعلقت رجله بالوحل ، فقال له أبو حنيفة رضي اللّه عنه : اجعل بالك « 1 » لئلا تسقط . قال الصبي : يا إمام المسلمين ، وقوعي « 2 » أمر هيّن ، وقيامي أيضا سهل ؛ فإنّي إن وقعت وقعت وحدي ، ولكن بوقوعك يقع عالم ، وقيامك أيضا يكون عسيرا .
فبكى أبو حنيفة من كلام الصبيّ ، وتعجّب من حلاوته وحذاقته ، ثم قال لأصحابه : إن سنح لكم دليل أظهر من دليلي ، وانكشف شيء لم ينكشف لي ، فاعملوا به ، ولا تقلّدوني . ولذا خالفه أبو يوسف رضي اللّه عنه ، ومحمد رضي اللّه عنه وغيرهما في كثير من المسائل المذكورة في الفقه ، وهذا دليل على كمال إنصافه وورعه .
نقل أن رجلا ذا مال وثروة في عهد أبي حنيفة كان عدوّا لعثمان بن عفان رضي اللّه عنه مجاهرا بها حتى يقول : إنه - رضي اللّه عنه - كان يهوديّا . سمع أبو حنيفة كلامه من الناس ، فدعاه إليه ، وكان في المدينة رجل يهوديّ صاحب مال وجاه ، وله ابن ، وقال له - أي لعدوّ عثمان - : اليهوديّ الفلاني يخطب بنتك من ابنه . فاغتمّ الرجل بذلك الخبر ، وانغاظ منه ، وظهرت الرجفة في أعضائه ، وقال : أنت إمام المسلمين ! وكيف يجوز استخطاب بنات المسلمين من أبناء اليهود ؟ وكيف يمكن هذا ؟ قال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : سبحان اللّه ، أنت لا تجوّز أن تكون بنتك تحت ابن يهوديّ ، ولا ترضى به ، فكيف تجوّز أن تكون بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم امرأة ليهوديّ ، وترضى به ؟ فعلم الرجل أنه أخطأ في اعتقاده ، فرجع عنه وصار سنّيا .
هامش
( 1 ) اجعل بالك : خذ حذرك .
( 2 ) في ( أ ) : يا إمام المسلمين ، سقوطي .