ويترك ، وشريك يصير قاضيا . صار الأمر كما قال ، أما سفيان فقد هرب في الطريق ، وركب زورقا ، وعبر دجلة ، وقال : اخفوني ، إذ قصدوا ذبحي ، وأراد بذلك مضمون قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين « 1 » » ، فأخفاه الملّاح ، ووصل الثلاثة الباقية إلى الخليفة ، فتوجّه الخليفة إلى أبي حنيفة رضي اللّه عنه ، وعرض عليه القضاء ، فقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه :
يا أيّها الخليفة ، ما أنا من أشرف قبيلة في العرب ، ولعلّ الناس لا يرضون بحكمي ، ولا ينقادون لي . قال الخليفة : القضاء لا يتعلّق بالنسب ؛ بل بالعلم والأدب . قال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : الصحيح أني لا أليق بهذا المنصب ولا أستحقّه ، فإن كنت صادقا في هذا الكلام فذاك ، وإن كنت كاذبا فبالكذب صرت فاسقا ، والفاسق لا يجوز أن يولّى القضاء ، وأنت الخليفة عليك أن تحكم بين المسلمين بالحقّ ، فكيف يسوغ لك ، ويحلّ من اللّه أن تجعل الكاذب قاضيا بين المسلمين ، وتسلّم إليه دماء المسلمين وفروجهم وأموالهم .
فأنجاه اللّه تعالى بهذه الحيلة ، ولمّا التفت إلى مسعر ، قال : كيف أنت يا خليفة ؟ وكيف أهلك وعيالك ودوابك ؟ قال الخليفة : هذا مجنون ، أخرجوه .
ثم قيل لشريك : اقبل القضاء . قال : أنا رجل سوداويّ المزاج ، ودماغي ضعيف . قال الخليفة : لا بدّ أن تصير قاضيا ، ودماغك قابل للعلاج ، فعالجه .
فصار قاضيا ، وهجر الخليفة أبا حنيفة ، وما حدّثه ما عاش .
نقل أنه سأل شخص من أكابر الدّين « 2 » : هل يجوز أن يظهر أثر معجزة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في شخص من أمّته ؟ قال : نعم . قال السائل : من هو ذلك ؟ قال : انظر إلى أبي حنيفة ، فإنّه حفظ القرآن وهو ابن سبع ، وحصل له علم وأدب تامّ وهو ابن عشر ، وحفظ ثلاثين ألفا من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وهو ابن خمسة عشر ، وحينئذ ميّز الصحيح عن السقيم ، واستنبط مئتين وستين ألف
هامش
( 1 ) رواه أحمد في المسند 2 / 230 ، والنسائي في سننه الكبرى ( 5924 ) ، وأبو يعلى في مسنده ( 6613 ) ، عن أبي هريرة .
( 2 ) في ( أ ) : سأل شخص من أحد من أكابر .