نقل أنه كان في الحمام ، إذ دخل رجل مكشوف العورة ، قيل : كان دهريّا أو فلسفيّا ، فغمض أبو حنيفة رضي اللّه عنه عينيه ، فقال الرجل : متى رفع عن عينك الضوء ؟ قال : حين رفع اللّه عنك ستره .
نقل أنّ الناس اجتمعوا ، وأرادوا أن يعمروا مسجدا في محلّته ، فجاؤوا إليه ، وطلبوا منه مساعدة على سبيل التبرّك ، فثقل عليه ذلك ، فقالوا له :
لا نقصد منك المال ، وإنّما المقصود منك البركة . فبكراهية عظيمة أعطاهم شيئا حقيرا يسيرا ، فقال له بعض التلاميذ : يا إمام ، أنت رجل كريم ، ولم صار ثقيلا عليك إعطاء هذا القدر اليسير ؟ قال : ما كان هذا لأجل البخل ؛ ولكنّي تيقّنت أنّ المال الحلال لا يصرف في عمارة الطين « 1 » ، وكان ظنّي أنّ مالي حلال لمّا طلبوا منّي شيئا ، كرهت ذلك لأجل أنه : هل يكون في مالي حرام أو شبهة ؟ وكان بسبب ذلك دائما في الحزن ، إلى أن جاء رجل من تلك الجماعة بالشيء الذي أخذوا منه ، وردّه إليه ، ففرح أبو حنيفة ، وسأل عن الحال ، قال :
تمّت العمارة ، وبقي عين مالك هذا . فأخذه أبو حنيفة رضي اللّه عنه وشكر اللّه تعالى على أنّ ماله كان حلالا بلا شبهة .
نقل أنه كان يمشي في بعض الطّرق ، فتطاير إلى ثوبه من طين الشوارع قدر ظفر ، فمضى إلى دجلة وغسله ، قالوا له : يا إمام المسلمين ، لا ترخّص بهذا القدر من النجاسة وتغسله ؟ ! وأفتيت من المغلّظة قدر دينار ، ومن المخفّفة ربع الثوب ! قال : هذا من التقوى ، وذلك من الفتوى .
هامش
( 1 ) روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكثر من حديث ينفي به الأجر عمّن وضع ماله في العمارة ، منها ما رواه البخاري في صحيحه ( 5671 ) ، ومسلم ( 2681 ) عن قيس بن حازم رضي اللّه عنه قال : إنّ المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب .
وما رواه الترمذي ( 2484 ) عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « النفقة كلّها في سبيل اللّه إلا البناء ، فلا خير فيه » .
أقول : وهذا في البنيان ، والتطاول فيه والتفاخر والتباهي ، أما بناء المساجد للّه خالصة كما أمر اللّه ورسول صلى اللّه عليه وسلم فلا يندرج هذا .