تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
أقول : التقوى مقام الخواص ، والفتوى للعوام ، واللّه أعلم . نقل أن داود الطائي لمّا صار مقيّدا « 1 » ، قال لأبي حنيفة رضي اللّه عنه : كيف أعمل في هذا الشأن العظيم ؟ قال له الإمام : عليك بالعمل بما علمت ، فإنّ العلم بلا عمل كجسد بلا روح . نقل أن بعض الخلفاء رأى في المنام ملك الموت ، وسأل عنه ما بقي من عمره ، فأشار إليه ملك الموت بخمس أصابع ، فأصبح الخليفة ، وجمع العلماء في دار الخلافة ، وعرض عليهم الرؤيا ، وطلب منهم التعبير ، فبعضهم قال : خمس سنين ، ومنهم من قال : خمسة أشهر ، ومنهم من قال : خمسة أسابيع إلى غير ذلك ، وما أجابوا قطعيّا ، وما تسلّى الخليفة بجوابهم ، وأخبر أن في المدينة شابّا كيّسا ذا نظر دقيق ، وفكر كامل ، فأحضره ، وعرض عليه الرؤيا ، فقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : أشار بالأصابع الخمسة إلى الأشياء الخمسة التي لا يعلمها إلّا اللّه تعالى ، وهي المذكورة في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
[ لقمان : 34 ] فطاب وقت الخليفة ، وأعزّ أبا حنيفة رضي اللّه عنه وأكرمه ، وخلع عليه بخلعة نفيسة ، وأنعم عليه بجميع ما كان في الخلوة ، فلم يقبل شيئا ، ورجع . قال أبو علي الجلالي « 2 » : كنت بالشام على قبر بلال رضي اللّه عنه ، إذ غلبني النوم ، فرأيت أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم دخل المسجد الحرام من باب بني شيبة ، واحتضن شيخا كما يحتضن الأطفال بشفقة تامة ، فسعيت إليه صلى اللّه عليه وسلم ، وقبّلت رجله ، وأتعجّب في شأن ذلك الشيخ ، فاطّلع النبيّ عليه السلام بنور النبوة على ما أضمرت ، فقال : هذا إمامك ، ومقتدى أهل ديارك أبو حنيفة رحمه اللّه .
هامش
( 1 ) في الترجمة العربية صفحة 443 : صار قدوة . ( 2 ) في الترجمة العربية صفحة 444 أبو علي بن عثمان الجلابي ، وفي الأصل الفارسي : أبو علي بن عثمان الجلاء .