نقل أن سهل بن عبد اللّه المروزي « 1 » رضي اللّه عنه كان يتردّد إلى مجلس درس عبد اللّه بن المبارك رضي اللّه عنه ، فخرج يوما من المجلس ، وقال :
لا أرجع إلى مجلس درسك أبدا . قال : ولم ذلك ؟ قال : لأنّ جماعة من جواريك طلعت على السطح اليوم ، ودعونني إليهنّ ، وكلّ تقول : سهلي ، وأنت لا تؤدّبهنّ ! قال عبد اللّه لأصحابه : اجتمعوا نصلّ على سهل ؛ فإنه سينتقل إلى رحمة اللّه تعالى ؛ إذ ليس لي جوار ، ولكنّ هذه التي رآها سهل كانت من حور العين . فاجتمعوا ، وهو توفّي إلى رحمة اللّه تعالى ، وصلّوا عليه ، ودفنوه .
نقل أنه سئل عنه : ماذا رأيت من العجائب ؟ قال : رأيت راهبا نحيفا من المجاهدة متضرّعا مضطربا من خوف اللّه تعالى ، منحنيا من سطوات العقاب ، قلت له : وما الطريق إلى اللّه تعالى ؟ قال : إن عرفته علمت الطريق إليه ، ثم قال : والذي يقضي منه العجب أنّي كيف أعبد من لا أعرفه ؟ وأنت كيف تعصي من تعرفه ؟ مراده : أنك تدّعي المعرفة ، وهي تقتضي الخوف ، ولا أرى فيك أثر الخوف ، والكفر يقتضي الجهل ، وأنا ذبت من الخوف .
قال : دخلت الروم ، وكنت أسير فيها وأدور ، فالتقيت في مدينة بجماعة اجتمعوا في موضع ، ويريدون أن يصلبوا شخصا في كلاليب ويعلّقونه فيها بكتفيه « 2 » ، ويقولون : إن قصّرنا ذرة في تعذيبه ، فليكن خصمنا الصنم الكبير .
ورأيت ذلك الشخص في تعب عظيم ، وعذاب أليم ، وكان يصطبر ، ولا يظهر الجزع ولا يتأوّه ، فتقرّبت منه ، وسألته عن حاله ، وعن غاية اصطباره ، وعدم إظهاره الجزع مع سوء حاله ، وقبح مآله « 3 » ، فقال : إليك عنّي ؛ فإنّي جنيت جناية عظيمة ، وسيّئة كبيرة . قلت : كيف ذلك ؟ قال : أظنّك مسلما ، وأحكي لك حكايتي ، فاعلم أنّ من ملّتنا أن لا يذكر أحد الصنم الكبير إلّا بعد أن يطهّر
هامش
( 1 ) كذا في الأصول ، وهو ليس سهل بن عبد اللّه التستري التي سترد ترجمته برقم ( 28 ) الذي توفي سنة 283 ه عن 83 عاما ، وعبد اللّه بن المبارك توفي سنة 181 ه .
( 2 ) في ( ب ) : في كلابين ، ويعلقونه فيهما بكتفيه .
( 3 ) في ( ب ) : وقبح باله .