نقل أنّه كان يدور يوما في سوق نيسابور ، وكان يوما شاتيا باردا ، فالتقى بغلام عليه قميص واحد ، وهو يرجف من البرد ، قال له : لم لا تقول لسيّدك أن يشتري لك جبّة ؟ قال : ماذا أقول والسيّد يراني ويسمع ويعلم أحوالي ؟ ! فطاب وقت عبد اللّه من كلام الغلام ، وشهق وخرّ زائل العقل ، ثم أفاق وقال : ينبغي أن تتعلّم الطريقة من هذا الهندي .
نقل أنه أصابه مصيبة ، وكان الخلق يتردّدون إليه للتعزية ، وكان هناك مشرك مجوسيّ هو أيضا جاء إليه يعزّيه وقال : يا عبد اللّه ، ينبغي لك أن تعمل اليوم ما أنت تعمله بعد ثلاثة أيام . فبكى عبد اللّه ، وقال : اسمعوا كلمة الحكمة من هذا الأجنبي .
أقول : لا غرو في هذا وفي أمثاله ، فإن عليّا كرّم اللّه وجهه قال فيما نقل عنه :
انظر إلى ما قال ، ولا تنظر إلى من قال ، واللّه أعلم .
سئل : أيّ خصلة في الإنسان أنفع ؟ قال : العقل الوافر ؛ أي الكثير الكامل .
قيل : فإن لم يكن ؟ قال : حسن الأدب . قيل : فإن لم يكن ؟ قال : أخ مشفق يشاوره فيما يسنح له من الأمور . قيل : إن لم يكن ؟ قال : السكوت الدائم .
قيل : إن لم يكن ؟ قال : الموت في الحال .
ومن كلامه :
من استخفّ أدبا من الآداب حرم سنّة ، ومن استهان بسنّة ابتلي بترك فريضة ، ومن استخفّ فريضة حرم من المعرفة ، والبعد من المعرفة شؤم .
قلوب الطالبين للحقّ لا تسكن أبدا ؛ بل تكون طالبة لمقامها عند مولاها .
الناس بقليل من الأدب أحوج بكثير العمل .
نحن نطلب الأدب اليوم ، وقد ذهب المؤدّبون .
كلّ من الناس قال في الأدب شيئا ، وهو عندي معرفة النفس .
السخاوة بما في أيدي الناس أفضل من بذل ما في يدك .
ردّ درهم من الشّبهة إلى صاحبها خير من التصدّق بمئة درهم .
تذكرة الأولياء — صفحة 236
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٢٣٦