على الأرض ميتا ، تحيّر عبد اللّه رضي اللّه عنه في شأنه ، وبقي متفكّرا ساعة ، ثم رجع ، وأخبر أصحابه وإخوانه ، فحضروا ، وهو تولّى غسله بنفسه ، وصلّى عليه بجماعة من المسلمين ، وكفّنه في كساء غليظ كان عليه ، ورأى عبد اللّه في ليله إبراهيم ومحمّدا عليهما السلام يأتيان راكبين على براقين ، فالتقيا بعبد اللّه بن المبارك ، وقالا له : يا عبد اللّه ، لم دفنت وليّا « 1 » في ذلك الكساء ؟ !
نقل أنه كان يمشي في بعض الأيام في وقار عظيم ، وسكون ومهابة ، فاستقبله شابّ سكران من أبناء السادات العلوية ، وقال له : يا بن الهندي - لأن المبارك كان غلاما هنديا - أنت تتماشى على تلك الطريقة ، وأنا من أولاد الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وحالي كما ترى ! فقال عبد اللّه : لأنّي أعمل بما عمل به جدّك صلّى اللّه عليه وسلم وأمر ونهى ، وأنت لا تعمل ، لا جرم أنا على هذا الحال ، وأنت على ذلك .
فلمّا بات عبد اللّه رأى في المنام النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم متغيّرا عليه ، قال : يا رسول اللّه ، ما لي أراك متغيّرا عليّ ؟ وأيّ شيء هو جرمي ؟ وما ذنبي ؟ قال صلّى اللّه عليه وسلم : لأنّك حملت الذنب على بعض أولادي في جماعة من الناس « 2 » ، ونسبت إليه ظاهرا .
فأصبح عبد اللّه ، وقصد مقام العلويّ ليعتذر منه ، والحال أنّ الشابّ العلويّ أيضا رأى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم تلك البارحة ، واشتكى لديه من عبد اللّه ، وقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : لو أنت كنت كما ينبغي ، وعاشرت على طريقي ، وسلكت محجّتي لما قال عبد اللّه ما قال . فأصبح العلويّ أيضا ، وقصد عبد اللّه ليعتذر منه ، فالتقيا في الطريق ، وتحاكيا ما جرى عليهما ، وتاب العلويّ على يد عبد اللّه ، وهو على يد العلوي ورجعا .
أقول : معاتبة النبي صلّى اللّه عليه وسلم مع عبد اللّه بن المبارك لا شكّ أنّها كانت إرشادا له ، وإصلاحا له ، وإزالة لما توهّم فيه من العجب المردي ، ومن التحقير لبعض أولاد النبيّ عليه السلام ، وتهذيبا لأخلاقه ، وتأديبا ، وسببا لصلاح ذلك العلويّ المجاهر بالفسق ، المخالف لسيرة أسلافه الكرام ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : دفنت وليّنا .
( 2 ) في ( أ ) : وفي ملاء من الناس .