تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
أولاد صغار أيتام ، وما أكلوا شيئا في هذه الأسبوع ، فدخلت اليوم في خرابة ، فصادفت فيها جيفة حمار ، وأتيت منها بقطعة لحم ، وهي هذه في القدر بعد ، وهي علينا حلال ، وعليكم حرام . فلمّا سمعت الحكاية احترق قلبي رأفة بهم وشفقة عليهم ، فلمّا رجعت إلى البيت وأخذت الدراهم المعهودة ، وهي ثلاثة مئة وخمسون درهما ، وأتيت بها إلى المرأة ، وأعطيتها إيّاها لتنفق على نفسها وعلى أطفالها ، واكتفيت بالبذل لوجه اللّه على الحجّ ، وقلت : هذا يقوم لي بعناية اللّه عن الحجّ ومقامه . فقال عبد اللّه : صدقت ، وصدق الملك الرؤيا ، وعدل الملك في الحكم والقضاء ، واللّه أعلم بحقائق الأشياء . نقل أن لعبد اللّه كان مملوكا ، فكاتبه على درهم يؤدّيه إليه في كلّ يوم ، فأخبره شخص : أن هذا المكاتب ينبش القبور ، ويحصّل الدرهم الذي يعطيك من ثمن الأكفان . فشقّ ذلك على عبد اللّه ، فتبعه ليلة خفية منه ، فرآه دخل بعض المقابر ، ونبش قبرا ، ودخل فيه ، فاطّلع عليه ، فإذا هو مسجد وفيه محراب ، واشتغل المملوك المكاتب فيه بالصلاة والعبادة إلى الصباح في غاية التضرّع والابتهال « 1 » ، وقد تقلّد في عنقه غلّا ثقيلا من الحديد ، ولمّا رأى عبد اللّه الحال ، غلب عليه البكاء والأنين ، واختفى هناك إلى أن انقضى شغل المكاتب ، وطلع الفجر ، فخرج من ذلك الحفرة ، وطمّ رأسه ، ثم رفع رأسه إلى السماء ، وقال : إلهي ، أصبحت والسيد المجازيّ سيطلب منّي الدرهم المطلوب المعهود ، إلهي وأنت رأس المال للمفلسين ، فاعطني من حيث تعلم ولا أعلم . فظهر نور وفيه درهم وقع بين يديه ، فقام عبد اللّه إليه إذ لم يبق اصطبار ، واعتنق العبد المكاتب ، وشرع يقبّل رأسه ووجهه ، فاغتمّ المكاتب من اطّلاع عبد اللّه على حاله ، وقال : إلهي ، لمّا افتضحت وهتك ستري ، وانكشف سرّي لم يبق لي عيش ولا راحة في الدنيا ، أسألك بعزّتك أن لا تفتنني ؛ بل تقبض روحي في الساعة . وكان بعد في المعانقة مع عبد اللّه ، وفي حضنه ، إذ قبض روحه ، ووقع
هامش
( 1 ) في ( أ ) : في غاية التضرع والخشوع .