ظاهره وباطنه من كلّ رجس ونجس ، ونذكره في غاية الخشوع والخضوع في موضع نظيف ، وأنا اليوم ذكرته في السوق خلف الميزان ، وهذا جزاؤه . قال عبد اللّه : وكذا في شريعتنا من عرف اللّه تعالى حقّ المعرفة لا يطيق أن يذكره ، من عرف اللّه تعالى كلّ لسانه .
نقل أيضا أنّه اتّفق في الروم في بعض الغزوات ، وحصلت له محاربة مع كافر ، فدخل وقت الصلاة ، فاستمهل من الكافر ليصلّي ، فأمهله الكافر ، فصلّى عبد اللّه ، ورجع إلى قتاله ، ثم دخل وقت صلاة الكافر ، فهو أيضا استمهل عبد اللّه ، فأمهله ، ورجع الكافر ليصلّي ، ولمّا اشتغل الكافر بصلاته علم عبد اللّه أنّه يعبد الصنم ، ويجوز قتاله في هذه الحالة ، والفرصة غنيمة ، فسلّ سيفه وتبعه ليجزّ رقبته ، وحين وصل إليه ، ووقف على رأسه ، سمع مناديا يقول :
يا عبد اللّه :
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
[ الإسراء : 34 ] فشرع عبد اللّه يبكي واقفا هنالك ، وامتنع من التعرّض له ، رفع الكافر رأسه من سجوده ، ورأى عبد اللّه واقفا على تلك الهيئة والحالة ، استخبر منه ، فقصّ عليه القصة ، وقال :
عوتبت لأجلك . فشهق الكافر وقال : يكون من ترك المروءة والفتوّة والعصيان فيمن يعاتب أولياءه في بعض أعدائه ، وقال : اعرض عليّ الإيمان . فآمن ، واجتهد في الدين ، وحسنت حاله ، وحصلت آماله ببركة معاملته مع عبد اللّه عليه الرحمة .
نقل أنه قال : كنت في مكّة محرما بالحجّ ، وقصدت أن أدخل البيت ، وتبعني شابّ حسن الهيئة ، جميل الوجه ، فلمّا دخلت التفتّ ما رأيت الشاب ، فحين خرجت رأيته ساقطا على الأرض ، مغشيّا عليه ، واجتمع حوله جماعة ، فوقفت ساعة ، فأفاق ، ورفع مسبّحته ، وقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله . قلت : كيف حالك يا فلان ؟ قال : اعلم أنّي رجل من النصارى ، وأردت أن أرى الكعبة ، وأدخل فيها مع المسلمين بالتلبيس والحيلة ، فلمّا وصلت إلى الباب سمعت هاتفا يصيح ويقول : أتدخل بيت الحبيب ، وفي قلبك معاداة الحبيب ؟ ! فانفتح باب قلبي ، وأسلمت وآمنت .