تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
ولا يحسّ بهم في جنب معرفة اللّه تعالى ، ولا يظنّهم موجودا مع وجود اللّه تعالى ، ولا يحسّ بدخولهم وخروجهم ، وإن كان على خلاف ذلك يكون مدّعيا لا عارفا . إن ظهر المعروف للعارف ، والعلم للعالم ، يقول العارف : هو ، ويقول العالم : أنا أقول : معنى هذا الكلام أنّ العارف إذا غرق في بحر المعرفة ، وهلك بنفي ذاته ، ويثبت ذات الحقّ ، وينظر إليه تعالى لا إلى نفسه ، إذ لا يبقى له حينئذ وجود ، وذلك كما إذا أشرقت الشمس لا يبقى للكوكب نور ولا ضياء ولا وجود في الحسّ ، فحينئذ يقول : هو لا أنا ؛ وأمّا العالم فهو الذي لم يبلغ إلى هذا المقام ، وله نظر إلى نفسه ، ويرى وجود نفسه ، فلذلك يقول : أنا . فالأول في المحو ، والثاني في الإثبات ، واللّه أعلم . قال : لا خطر ولا قدر للجنة عند أهل المحبة ، وهم في النوم واليقظة مشغولون بالطلب ، ولا يفترون منه طرفة عين ، ومع هذا لهم فراغة عن الطلب أيضا ، وذلك لغلبة المشاهدة عليهم ، فإنّ في مقام المشاهدة إن نظر العاشق إلى طلبه يكون خسرانا عظيما ؛ بل يجب أن يكون نظره في تلك الحالة إلى جمال معشوقه . قال : إن اللّه تعالى اطّلع على قلوب أوليائه ، علم أنّ بعضها لا يطيق حمل المعرفة ، فجعله مشغولا بالعبادة ، وما كلّفه لحمالة المعرفة . لا يحمل أحمال الحقّ إلّا من ذلّل نفسه بالمجاهدة والرياضة . ليت الناس يعرفون أنفسهم ، فإن ذلك يكفيهم . قال : اجتهد أن تجعل لك ساعة « 1 » في جميع عمرك لا ترى فيها غير اللّه تعالى ، ثم اجتهد أن يمضي عمرك كلّه بهذه الصفة .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : أن يحصل لك ساعة .