وحلفت أني لا أفارق هذا المنزل حتى يجيء إليّ شخص ، ويريني نفسي وذلّي ، فمكثت ثلاثة أيام ، ثم في اليوم الرابع رأيت رجلا أعور يجيء على راحلة ، فلمّا نظرت إليه ، علمت أن فيه أثر العرفان ، أشرت إلى بعيره بالوقوف ، فخسفت رجلاه في الأرض ، ووقف البعير ، قال : راكب جئت بي لأفتح المغلق ، وأغلق المفتوح ، وأغرق بسطام مع أهلها ومع أبي يزيد . قال أبو يزيد : غشي عليّ ، ثم بعد الإفاقة قلت له : من أين تجيء ؟ قال : من اليوم الذي حلفت أن لا تفارق هذا المكان ليرسل اللّه تعالى إليك شخصا يريك نفسك ، أنا قطعت في الطريق ثلاثة آلاف فرسخ ، ثم قال : يا أبا يزيد ، عليك بحفظ القلب . وأعرض عنّي ، وغاب .
نقل أنه مدة أربعين سنة ميّز بين ثياب الصلاة ، وثياب بيته ، وثياب الوضوء .
وقال : إنّي ما أكلت أربعين سنة ممّا يأكل الناس ، فإنّ قوته كان من موضع آخر .
قال : أربعين سنة كنت جاسوسا على القلب ، ثم اطّلعت على أنّ العبودية منه كانت .
قال : كنت للّه طالبا ثلاثين سنة ، ثم وجدت أنّي مطلوب ، وهو طالب « 1 » .
قال : منذ ثلاثين سنة كلّما أريد أن أذكر اللّه تعالى أغسل فمي ولساني ثلاث مرات تعظيما للّه تعالى .
سأل منه أبو موسى « 2 » ، وقال : سلكت هذا الطريق زمانا ، ماذا رأيت فيها ؟
قال : أوّل الأمر كنت أجرّ نفسي إلى بابه ، وهي تبكي ، فحين حصل لي مدد من الحقّ ، النفس تذهب إليه وتضحك .
قيل : وما رأيت في هذا الطريق أعجب ؟ قال : إنه ما رجع منه أحد .
نقل أنه صار في آخر الأمر إلى حيث ما كان يخطر بباله ، يظهر عنده في
هامش
( 1 ) هذا القول ليس من ( ب ) .
( 2 ) يقال : أبو موسى الديبلي من المشايخ المريدين لأبي يزيد . انظر الصفحة 225 .