ثم أرسل إليه يحيى ، وقال : لي معك سرّ ، ولكن موعدنا الجنة ، تحت شجرة طوبى . وبعث له رغيفا هدية ، وقال : عجنته بماء زمزم . فكتب أبو يزيد في الجواب ، وأشار إلى السرّ الذي كتمه يحيى ، وقال : أيّ موضع يكون هو مذكورا فيه فهو الجنة « 1 » ، وهناك فيء طوبى ، وما أكل ذلك الرغيف ، وقال : ذكرت الماء الذي خمّرت به ، وما ذكرت من أيّ بذر حصّلته ! فازداد اشتياق يحيى إليه ، وقصده ، وجاء إليه ، فوصل عشاء ، وقال : لا أريد أن أشوّش عليه الليلة ، وليس لي اصطبار إلى الصباح ، فسأل عنه ، قالوا : هو في الصحراء . قال : ذهبت إليه ، فإذا هو قد صلّى صلاة العشاء ، وقام على إصبعين إلى الصباح « 2 » ، وأنا متعجّب عن هذا الحال ، وهو مشغول بحاله إلى الصباح ، فلمّا طلع الفجر ، قال : اللهم ، إنّي أعوذ بك أن أسألك هذا المقام . قال يحيى : فتقدّمت إليه ، وسلّمت عليه ، وسألته عن وقائع الليلة ، قال : عرض عليّ نيف وعشرون مقاما وما قبلتها ، وقلت : كلّها حجاب ، كان يحيى مبتدئا وأبو يزيد منتهيا . فقال له : يا شيخ ، لولا سألت من اللّه تعالى المعرفة ، وهو مالك الملوك ، وقد قال :
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[ غافر : 60 ] ؟ فشهق أبو يزيد وقال : اسكت يا شيخ ؛ فإني يحصل لي غيرة على أن أعرفه ، وإني أريد أن لا يعرفه غيره ، ثم قال أبو يزيد رضي اللّه عنه : لو رزقت صفوة آدم ، وقدس جبريل ، وخلّة إبراهيم ، وشوق موسى ، وطهارة عيسى ، ومحبّة محمد عليهم السلام عليك أن لا ترضى بها ؛ فإنّ ما وراء ذلك منازل ومقامات ، كن صاحب همّة ، ولا تغترّ بمقام من المقامات ، فإنك لو قنعت بمقام رضيت وسكنت فيه صرت محجوبا به « 3 » .
أقول : هذا الكلام إشارة إلى أن مقامات المعرفة لا نهاية لها ، وليس للسالك أن يقنع بمقام دون مقام ، إذ ما من مقام إلّا وفوقه مقام آخر ، وبهذا يؤوّل ما ورد
هامش
( 1 ) في ( أ ) : أي موضع يكون هنا مذكور فيه ، فهو الجنة .
( 2 ) انظر الحاشية ( 1 ) صفحة 757 .
( 3 ) جاء في هامش ( أ ) : نعوذ باللّه تعالى من الاجتهاد ، مثل هذه الأقوال السخيفة ، ولا حول ولا قوّة إلا باللّه .