الكوز ، لم أجد فيه ماء ، ثم إلى الجرّة كذلك ، فذهبت إلى الساقية ، وجئت بالماء ، فإذا هي نائمة ، فأخذت الكوز بيدي ، ووقفت حتى استيقظت ، وكانت الليلة في غاية البرودة ، وانجمد الكوز في يدي ، فأخذت الماء ، ودعت لي ، ثم قالت : ردّ أحد مصراعي الباب . كنت متردّدا إلى قريب من الصباح أن أردّ الطرف الأيسر أو الأيمن ؛ لئلا أكون مخالفا لها ، فلمّا أصبحت ، ما كنت أطلبه مدّة طويلة وجدته حاضرا عندي ببركة موافقتها ودعائها .
نقل أنه لمّا رجع من سفر الحجاز ، وبلغ مدينة همذان ، اشترى هناك شيئا من حبّ العصفر ، وذهب بها إلى بسطام ، وجد فيه نملا ، فرجع إلى همذان ، وردّها إلى مكانها شفقة على خلق اللّه تعالى .
نقل أنه قال : كنت اثنتي عشرة سنة حدّادا لنفسي ، أحمّيها من كورة الرياضة بنار المجاهدة ، وأحضّها على المداومة ، وأضرب عليها بمطرقة الملامة ، حتى صنعت من نفسي مرآة ، ثم صقلتها في خمس سنين بمصقل أنواع العبادات والطاعات ، ثم نظرت فيها بنظر الاعتبار ، رأيت على وسطي الزنار من العجب والغرور ، والاعتماد على الطاعة والعمل ، فاجتهدت خمس سنين أخرى في قطع الزنار ، حتى قطعت الزنار ، وجدّدت الإسلام ، ثم رأيت الخلق كلّهم موتى ، فقلت : أصلّي عليهم صلاة الأموات ، وكبّرت أربع تكبيرات لفنائهم ، ثم بلا واسطة الخلق ولا مزاحمة النفس ؛ لكن بمدد الحقّ رجعت إليه ، ووصلت إلى مقام القرب .
نقل أنّه كلّما أراد أن يدخل مسجدا ، كان يقف على باب المسجد ، ويبكي ، ثم يدخل ، سئل عنه عن هذه الحال ، قال : أجد نفسي كامرأة مستحاضة ، أخاف أن ألوّث المسجد .
نقل أنه خرج بقصد الحجاز ، ثم رجع ، قيل له : ما فسخت العزيمة قطّ ، كيف كان في هذه النوبة ؟ قال : لمّا توجّهت إلى الطريق ، استقبلني زنجيّ بيده سيف ، وقصدني ، وقال : تركت اللّه ببسطام ، وقصدت البيت الحرام ، إن رجعت فيها ، وإلّا قطعت رقبتك ، ثم استقبلني شخص آخر ، وقال : إلى أين ؟
تذكرة الأولياء — صفحة 187
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص١٨٧