بزاقة تجاه القبلة ، فانصرف أبو يزيد ، ولم يسلّم عليه ، وقال : هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكيف يكون مأمونا على ما يدّعيه « 1 » ؟
نقل أنه حمل زاده في طريق الحجّ على بعير ، فقال شخص : سبحان اللّه ، بعير ضعيف ، وحمل ثقيل ، هذا ظلم ظاهر ، وقال مرات . فقال أبو يزيد :
انظر . فلمّا نظر رأى الحمل مرفوعا عن ظهر البعير مقدار شبر ، والبعير يمشي تحته خفيف الظهر ، ثم قال : شأني عجيب ، إن أفشيت حقيقة حالي فلا طاقة لكم بذلك ، وإن أخفيها تطوّلون ألسنتكم بالطعن فيّ .
نقل أنه بعد زياة قبر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أمر بزيارة أمّه ، فتوجّه إلى بسطام في جماعة ، وسمع أهل بسطام أنّه جاء ، فاستقبله خلق كثير ، وعلم أبو يزيد رضي اللّه عنه أنّ مراعاة الناس وملاقاتهم تمنعه عن الحقّ ، فأخذ رغيفا ، واشتغل بالأكل ، وكان في رمضان ، وقصد الرّخصة بذلك ، فأنكره الخلق وتركوه ، فقال لأصحابه :
رأيتم أنّي عملت بمسألة من الفقه ، فلذلك أنكرني الناس وردّوني ، اصطبر إلى الليل . فدخل المدينة ليلا ، وجاء إلى باب دار أمّه ، واسترقّ السمع ، فإذا أمّه تتوضّأ وتقول : إلهي ، طيّب حال غريبي ، واحفظه في غربته ، وطيّب عنه قلوب المشايخ . فغلب البكاء على أبي يزيد ، ودقّ الباب ، فقالت أمّه : من أنت ؟
قال : غريبك . فشهقت أمّه شهقة ، وفتحت الباب ، وقالت : يا طيفور ، ضعفت باصرتي من كثرة البكاء في فراقك ، وانحنى ظهري من كثرة البليّات والأحزان ؛ ولكن الحمد للّه الذي رزقني وصالك .
نقل أنه قال : ما ظننت أنّه بعد جميع الأعمال ، فهو قد كان مقدّما عليه ، وذلك رضا الوالدة ، قال : حتى أنا ما كنت أطلبه في الرياضات والمجاهدات والغربة وجدته في أنّ والدتي طلبت منّي الماء في بعض الليالي ، ذهبت إلى
هامش
( 1 ) روى البخاري في صحيحه ( 405 ) في الصلاة ، باب ما جاء في القبلة ، ومسلم ( 551 ) في المساجد ، باب النهي عن البصاق في المسجد ، والنسائي 1 / 163 ، 2 / 52 عن أنس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه : « إنّ أحدكم إذا قام في الصلاة فإنّما يناجي ربّه ، فإن ربّه بينه وبين القبلة ، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته . . » .