ثم دخل مكّة شرّفها اللّه تعالى ، وسكن بها ، وكان يتقوّت من كسب يده ، وكان كسبه من الحصد ، وحفظ « 1 » البساتين وغيره .
ونقل أنه لمّا خرج من بلخ قد بقي له ابن رضيع ، فكبر وسأل من أمّه أحوال أبيه ، وكان يطلبه ويشتاق إليه ، وأمّه كانت تقصّ عليه حكايته ، وما جرى عليه ، وقالت : الحاصل أنّه ضاع أبوك مدّة ، ثم سمعنا أنّه ساكن بمكّة شرّفها اللّه تعالى .
فابنه قصد زيارة الكعبة ، ونادى في مدينة بلخ : إنّ من يريد الحجّ فليتهيّأ للرواح إليها . فجاء إليه أربع مئة ، فأعطى الجميع الزاد والراحلة وسائر ما يحتاجون إليه في الطريق ؛ لعلّه يصل إلى أبيه بعد طول الانتظار ، فدخل مكّة ، وجاء إلى باب المسجد ، والتقى بجماعة لبسوا المرقعة ، فسأل منهم : هل تعرفون إبراهيم بن أدهم ؟ قالوا : نعم ، وله علينا حقّ النعمة ؛ ولكن قد ذهب لطلب الطعام . فخرج ابنه إلى البطحاء « 2 » في طلبه ، فرآه حافيا ، وقد حمل حطبا ، غلبه البكاء ، ولكن اختفى عنه ، وأمسك نفسه وتبعه « 3 » ، فدخل السوق ، ويقول : من يشتري الطّيّب بالطيّب ؟ - أي الحلال بالحلال - فاشترى منه رجل خبّاز بخبيزات ، وذهب بها إلى أصحابه ، وخاف إن يظهر نفسه عليه أن يفرّ منه ، فذهب إلى أمّه ليدبّر معها أنه كيف يلتقي به ، فأمرته أمّه بالصبر إلى تمام الحجّ ، وإبراهيم رحمه اللّه وصّى أصحابه ، وقال لهم : لا تنظروا إلى وجوه الصبيان والنساء في الطواف . فلمّا شرعوا في الطواف ، إذ رأى إبراهيم صبيّا صبيح الوجه قد استقبله ، فنظر إليه ، فتعجّب أصحابه منه ، وبعد الفراغ من الطواف ، قالوا له : رحمك اللّه ، نهيتنا عن النظر إلى الصبيان والنساء ، وأنت نظرت إلى صبيّ حسن الوجه مليح ! قال :
علمتم ذلك ؟ قالوا : نعم . قال : لمّا خرجت من بلخ « 4 » كان لي ابن رضيع ، ظنّي
هامش
( 1 ) في ( أ ) : من الحطب وحفظ .
( 2 ) بطحاء مكة : هي ما حاز السيل ، من الردم إلى الحنّاطين يمينا مع البيت . وليس الصفا من البطحاء . معجم ما استعجم 1 / 257 .
( 3 ) في ( ب ) : وأمسك ريقه وبلعه .
( 4 ) في ( ب ) : لمّا حضرت من بلخ .