الجمد ودخل فيه ، وبرد برودة عظيمة إلى وقت السحر ، وكاد أن يهلك ، وكان يشتهي دفئا أو نارا « 1 » ، فهو في ذلك الحال إذ رأى فروة على جسده ، وذهبت عنه البرودة ، ونعست عيناه إلى طلوع الشمس ، فلمّا أضاء العالم نظر فإذا الفروة التي لبسها تنينا عظيما مهيبا ، وكلّ من عينيه كأنّها قصعة مملوءة من الدم ، فهابه وقال : إلهي ، أرسلت إليّ هذا في صورة اللطف ، وأراه الساعة في صورة القهر ولا أطيقه ، فذهب التنين في الحال بعد أن تمرّغ لديه في التراب وغاب .
ونقل أنه حين اطّلع عليه الناس ، فرّ من المغارة ، وقصد مكّة شرّفها اللّه تعالى وعظّمها ، وبعد زمان كثير دخل الشيخ أبو سعيد الميهني « 2 » رحمه اللّه في تلك المغارة ، وقال : سبحان اللّه ، لو كانت هذه المغارة مملوءة من المسك ما فاحت مثل ما تفوح الآن بسبب عبادة فتى فيها ، فكأنّها امتلأت روحا وراحة .
وقصد إبراهيم البادية من خوف الشّهرة ، ووصل إليه شخص من أكابر الدّين ، وعلّمه اسم اللّه الأعظم ، وهو كان يذكر اللّه تعالى ، ويدعوه بذلك الاسم ، فلقي الخضر عليه السلام ، فقال له : يا إبراهيم ، كان أخي إلياس الذي علّمك الاسم الأعظم . ثم جرى بينه وبين الخضر محادثات ومكالمات كثيرة .
وكان شيخه الخضر ، فإنه أرشده أول الأمر كما مرّ بإذن اللّه تعالى .
وقال : حين كنت متوجّها إلى بيت اللّه تعالى الحرام ، وصلت إلى ذات العرق « 3 » ، وجدت هناك سبعين إنسانا عليهم المرقعات ، ماتوا كلّهم ، والدم يجري من أفواههم وآذانهم ، فدرت حولهم ، فإذا في واحد منهم رمق من الحياة ، قلت له : ما هذه الحالة يا فتى ؟ قال : يا بن آدم ، عليك بالماء والمحراب لا تبعد منه غاية البعد لئلا تهجر ، ولا تقرب أيضا غاية القرب لئلا تتعب ، لا ينبغي لأحد أن يجترئ ويتهجّم على بساط السلاطين ، افزع ممّن
هامش
( 1 ) في ( ب ) : يشتهي دفءا نارا .
( 2 ) في الأصل : أبو سعيد المهنوي . وانظر ترجمته صفحة 749 .
( 3 ) ذات عرق : مهلّ أهل العراق ، وهو الحدّ الفاصل بين نجد وتهامة . وقيل : عرق جبل بطريق مكة ، ومنه ذات عرق . معجم البلدان ( عرق ) .