أن الصبيّ الذي نظرت إليه هو ابني . ففي اليوم الثاني ذهب شخص من أصحابه طالبا لقافلة بلخ ، فصادف خيمة من الديباج ، وفيها كرسيّ ، وذلك الصبيّ جالس عليه ، وحول الخيمة جماعة من مماليكه وغلمانه ، وهو مشغول بتلاوة القرآن ويبكي ، فاستأذن الدخول عليه ، فدخل وسلّم عليه ، وقال : من أين أنتم ؟
قال الصبيّ : نحن من كورة بلخ . قال له : من أبوك ؟ فبكى وطبق المصحف ، وقال : ما رأيت أبي إلّا الأمس ، ولا أعلم أنّه أبي أم لا ، وأخاف أن يفرّ منّا ؛ فإنّه هرب منّا من زمان . قال : وما اسمه ؟ قال : إبراهيم بن أدهم بن منصور .
فذهب به الرجل إلى إبراهيم رحمه اللّه ، وتبعته أمّه ، وكان إبراهيم جالسا مع أصحابه عند الركن اليماني ، فرأته امرأته ، وفني صبرها ، وصاحت وقالت :
يا ولدي ، هذا هو أبوك الذي فرّ من أهله وولده وعياله وسلطنته وماله . وبكت ، وبكى الصبيّ والناس حتى ظهر فيهم ضجيج ، وغشي على ابنه ، ثم لمّا أفاق ، سلّم على أبيه ، فردّ الجواب ، وأجلسه في حجره ، وقال : على أيّ دين ؟ قال :
على دين الإسلام . قال : الحمد للّه . قال : هل قرأت القرآن ؟ قال : نعم . قال :
الحمد للّه . قال : هل تعلّمت شيئا من العلم وآداب الإسلام « 1 » ؟ قال : نعم .
قال : الحمد للّه . فأراد إبراهيم أن يفارقهم ويذهب من عندهم ، وهو قد أمسك بذيل أبيه ، وما كان يتركه ، فنظر إبراهيم إلى السماء ، وقال : إلهي ، أغثني .
ففي الساعة توفّي ابنه ، وهو في حجره ، فقيل له : كيف هذا الشأن ؟ قال : لمّا أخذته في حجري ، وتحرّكت محبّته في قلبي ، نودي في سرّي : يا إبراهيم ، تدّعي محبّتنا ، وتحبّ معنا غيرنا ، وتوصي أصحابك أن لا ينظروا إلى الصبيان والنساء ، وأنت تعلّقت بصبيّ وامرأة ! فدعوت اللّه تعالى وقلت : يا ربّ العزة ، أغثني ، فإن شغلتني محبّته عن محبّتك فأمتني أو أمته ، فاستجيب دعائي في حقّه . فإن اعترض على ذلك شخص ، فنقول : ليس هذا بأعجب وأغرب من ذبح إبراهيم النبيّ عليه السلام ولده البارّ الكريم .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : من العلم والأدب والإسلام .