تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
أمره سمع مثل ذلك الصوت في جيبه ، وانفتح على قلبه باب أسرار الملك والملكوت « 1 » ، وتاب إلى اللّه تعالى توبة نصوحا ، ونزل عن الفرس ، وتوجّه إلى جانب ، وذهب حتى وصل إلى راعي أغنام له ، وكان عليه لبّاد ، وعلى رأسه قلنسوة من الصوف ، فإذا هو من مماليكه وغلمانه ، فأعطاه ما كان عليه من الثياب الفاخرة ، والتاج المعرّق ، ووهب له جميع تلك الأغنام ، وأخذ منه اللّباد وقلنسوة الصوف ، فتعجّب من حاله جميع من في عالم الملكوت ؛ إذ هو خلع عنه الثياب النجسة المزخرفة الدنيوية ، ووضع على رأسه تاج الفقر ، ولبس حلّته . وكان يدور في الجبال والصحارى متولّها متحيّرا ، ويبكي على جرائمه وذنوبه وينوح ، حتى وصل إلى مدينة تسمّى مرو الرّوذ « 2 » ، وكان هناك جسر على نهر ، فلمّا وصل إبراهيم إلى الجسر ، وأراد أن يعبر ، رأى رجلا قد وقع من الجسر ، فقال إبراهيم : اللهم احفظه . فاللّه تعالى حفظه وأوقفه في الهواء ، حتى ذهب إليه جماعة وأمسكوه ، وتعجّبوا من حال إبراهيم . ثم رحل إلى نيسابور ، وطلب موضعا خاليا ليشتغل بعبادة اللّه تعالى ، فأرشده اللّه تعالى إلى مغارة هناك مشهورة ، فسكن فيها تسع سنين ، واللّه تعالى يعلم بأحواله وطاعاته وعباداته في تلك المغارة ليلا ونهارا . وكان يصعد الجبل يوم الخميس ، ويجمع حملا من الحطب ، وينزل به غداة يوم الجمعة ويبيعه ، ويشتري بثمنه ما يسدّ جوعته من القوت ، ويفرّق نصف ذلك على الفقراء والمساكين ، ويذهب بالنصف الآخر إلى المغارة ، وكان يصوم ويفطر على ذلك الطعام ، ويقنع به إلى الجمعة الأخرى . نقل أنه كان في تلك المغارة ليلة من ليال الشتاء ، وكانت في غاية البرودة ، وقد حصل له احتياج إلى الغسل ، فاغتسل بالماء البارد من الساقية بعد أن كسر
هامش
( 1 ) في ( ب ) : أسرار الملك والسلطنة . ( 2 ) مرو الرّوذ : مدينة قريبة من مرو ، بينهما خمسة أيام ، وهي على نهر عظيم ، فلهذا سميّت بذلك . فالروذ بالفارسية النهر . انظر معجم البلدان .