وتقول لي إنك أهلكته . فازداد هارون بكاء ، وقال لحاجبه وهو الفضل : قال لك يا هامان ؛ لأنه جعلني فرعون . قال له : يا شيخ ، هل عليك دين ؟ قال :
نعم ، عليّ دين واحد ، وهو طاعة اللّه تعالى ، فإن وفّقني اللّه تعالى لأدائها فطوبى لي ، وإلّا فيا خجلتا . قال هارون : إني أسألك عن ديون الناس . قال :
الشكر للّه تعالى على أنّ نعمه كثيرة عليّ ، وإني لا أشكو منه ، إذ لا شكوى لي منه . فوضع عنده هارون صرّة فيها ألف دينار ، وقال : هذا من الحلال ، قد وصل إليّ من ميراث أمّي . قال الفضيل : يا أمير المؤمنين ، ما نفعتك نصائحي ، فإنّك قصدت الظّلم عليّ ؛ لأنّي أرشدتك إلى النجاة ، وأنت توقعني في البلاء .
قال : كيف ذلك ؟ قال الفضيل : أنا أمرتك بأن تردّ كلّ مال إلى مالكه ، وأنت تصرفه إلى غيره . وقام من عنده ، ولم يقبل الصّرّة ، واللّه أعلم .
نقل أنه كان له ابن صغير ، هو ابن أربع سنين ، فأخذه مرّة في حجره وقبّله ، كما هو دأب الآباء ، قال له ابنه : تحبّني ؟ قال : نعم . قال : وهل تحبّ اللّه تعالى ؟ قال : نعم . قال : يا أبت ، كم لك ؟ قال : لي قلب واحد . قال ابنه :
كيف تحبّ بقلب واحد شخصين - عرف أن هذا الكلام إنما كان من الحقّ ، ولكن جرى على لسان الابن ، وكان في الحقيقة غيرة من اللّه تعالى - فضرب بيده على رأسه ، وتاب عن ذلك ، وقطع قلبه عن محبّة الولد وغيره ممّا سوى اللّه تعالى ، وسلّم قلبه للّه تعالى .
نقل أنه كان واقفا بعرفات ، فنظر إلى ذلك الجمع الكثير - وهو في غاية التضرّع والخضوع والبكاء - متوجّهون إلى اللّه تعالى ، سائلون منه ، واقفون بين يديه ، فتعجّب وقال : سبحان اللّه ، لو أنّ مثل هذه الجماعة وقفوا قدّام شخص ، وسألوا منه مقدار درهم أو أقلّ ، ماذا يقول ذلك الشخص ، هل يخيّبهم ويمنعهم عن ذلك ؟ قالوا : لا ، بل يعطيهم ولا يمنعهم . قال : فلا شكّ في أنّ الرحمة على هؤلاء أسهل عند اللّه تعالى ، وأيسر عند اللّه من إعطائهم درهما « 1 »
هامش
( 1 ) في ( أ ) : وأيسر عليه من إعطاء درهم .