فالحكم لكم « 1 » . ففتح الباب ، وعبر إليه هارون ، فقام وأطفأ السراج لئلا يرى وجهه ، فذهب إليه هارون في الظلمة ، فوقعت يده على يد الفضيل ، فقال الفضيل : ما ألين هذا الكف ! لو نجا من النار . قال هذا الكلام ، وقام واشتغل بالصلاة ، فتغيّر هارون ، وغلب عليه البكاء ، ثم لمّا سلّم الفضيل ، قيل له :
تكلّم مع أمير المؤمنين . قال : جدّك كان عمّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، طلب من النبيّ عليه السلام أن يجعله أميرا ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « طاعتك للّه تعالى لحظة خير لك من طاعة الناس لك ألف سنة ؛ إن الإمارة يوم القيامة ندامة » « 2 » . قال هارون :
زدنا . قال : لمّا ولي عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه الخلافة دعا عنده سالم بن عبد اللّه ، ورجاء بن حيوة ، ومحمد بن كعب ، وقال : إنّي ابتليت بهذه البلية ، فكيف يكون تدبيري ؟ فإنّ هذه بلية عظيمة ، وإن عدّها الناس نعمة . فقالوا له :
إن أردت النجاة يوم القيامة من عذاب اللّه تعالى فأقم كلّا من شيوخ أهل الإسلام مقام أبيك ، والشباب منهم مقام إخوانك ، والأطفال منهم مقام أولادك ؛ فإنّ بيضة الإسلام كلّها كبيت واحدة ، وهي لك ، وسكّانها عيالك ، فزر أباك ، وأكرم أخاك ، وأحسن إلى أولادك . ثم قال الفضيل : إنّي أخاف أن يحترق هذا الوجه الصبيح بالنار ، فخف من اللّه تعالى ، وتهيّأ للجواب ، وانتبه ؛ فإنّ اللّه تعالى يقيمك يوم القيامة مع كلّ واحد واحد ممن هو تحت حكمك دفعة دفعة ، ويسألك عنهم ، وينتصف للمظلوم من الظالم ، حتى أنه لو باتت امرأة عجوز في بيتها نوبة جائعة ، تتعلّق بذيلك يوم القيامة ، وتخاصمك . فلمّا سمع هارون من الفضيل هذا ، بكى إلى أن غشي عليه ، قال الحاجب : صه يا شيخ ؛ فإنّك أهلكت أمير المؤمنين . قال الفضيل : اسكت يا هامان ؛ فإنّك أنت أهلكته ،
هامش
( 1 ) في ( أ ) : أما بالإذن فلا ، وإن كان بالحكم والقوة ، فالحكم لكم .
( 2 ) لم أجد الحديث في المصادر التي بين يدي ، وقد روى أحمد في المسند 2 / 448 ، والبخاري في صحيحه ( 7148 ) في الأحكام ، باب ما يكره من الحرص على الإمارة ، والنسائي 7 / 162 عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنكم ستحرصون على الإمارة ، وإنها ستكون ندامة وحسرة يوم القيامة » .