الكلب أعلى منزلا * وهو النّهاية في الخساسه
ممّن تصدّى للرّياسة * قبل أيام الرّياسه
واللّه أعلم .
قال : بشر الحافي رحمه اللّه : سألت الفضيل رضي اللّه عنه : الزهد أفضل أم الرضا ؟ قال : الرضا .
وقال أيضا : ذهبت إلى الفضيل ، وبتّ عنده ، وكنّا من المساء إلى الصباح مشتغلين بالآيات والأخبار والآثار ، فحين أصبح ، وأردت الرواح ، قلت :
نعمت الليلة البارحة ، كانت ليلة مباركة . قال : ولم ؟ قلت : لأنّا اشتغلنا بصحبة طيّبة ، ومذاكرة للآيات والأخبار والآثار . قال الفضيل : بئست الليلة هذه ، وساءت . قلت : لأيّ شيء ؟ قال : لأنّك كنت تجتهد في أن تقول كلاما حسنا ليعجبني ، وأنا أيضا كنت مجتهدا في أن أقول في جوابك كلاما يعجبك ، وتركنا ذكر اللّه تعالى ، فالأصل إنّما العزلة والخلوة لا الصحبة .
قيل : روى الفضيل أنّ عبد اللّه بن المبارك جاء إليه فصاح ، وقال : ارجع من ذلك الموضع ؛ فإنك تجيء لتكيل عليّ ، وأكيل عليك من الكلام .
ونقل أن شخصا من الأكابر قصده ، وجاء إليه قال : لأيّ شيء جئت إليّ ؟
قال : استئناسا بك واستراحة في صحبتك . قال : ارجع من مكانك ؛ فإنّي أتمنّى أن أصير مريضا ليكون لي رخصة في ترك الجماعة ، ولا أخالط أحدا ، ولا أرى شخصا .
قال : إن استطعتم فاسكنوا موضعا لا ترون أحدا ولا يراكم أحد ؛ فإنه شغل عظيم .
قال : أقبل منّة عظيمة ممّن يمرّ بي ولا يسلّم عليّ ، وإذا مرضت فلا يعودني .
أقول : والسرّ في ذلك ما قال هو : إذا أمسي أفرح ، إذ يكون لي مع اللّه تعالى خلوة بلا تفرقة ، وإذا أصبح يحصل لي حزن ؛ كراهة أن أرى الناس وأخالطهم ،