مكرّما ، فلمّا وصل إلى باب البيت ، ودقّ الباب ، سمعوا صوته ، قالوا : قد تغيّر صوته ، عسى أن وصل به جراحة ، أو حصل به وجع . قال الفضيل : نعم ، إنّي جرحت جراحة . قالوا : على أيّ عضو ؟ قال : على القلب . ثم دخل البيت ، وقال لامرأته : إنّي أقصد الحجّ ، فإن أردت مصاحبتي وموافقتي فذاك ، وإلا فأسرّحك . قالت امرأته : حاشا أن أفارقك ، وأكون حيث تكون . فقصد هو مع امرأته الحجّ ، وسافر هو مع امرأته إلى مكّة ، واللّه تعالى قد سهّل عليهما الطريق ، فدخلا مكّة شرّفها اللّه ، وأقاما بها ، وصاحب هناك جماعة من أولياء اللّه تعالى ، وصاحب أبا حنيفة رضي اللّه عنه ، وحصلت له رواية عالية ، ورياضة تامّة ، وانفتح عليه باب الكلام في مكّة شرّفها اللّه ، وكان يجتمع عليه أهل مكّة ، وكان يعظهم .
نقل أنه قال هارون الرشيد ليلة للفضل البرمكي : أريد أن تذهب بي الليلة إلى شخص يريني نفسي ، فإنّي تضجّرت من السلطنة . فذهب به الفضل إلى سفيان بن عيينة ، ودقّ الباب ، قال سفيان : من أنتم ؟ قال : هارون أمير المؤمنين . قال سفيان : لم تعب السّلطان سلّمه اللّه ؟ وما خبّر تموني لأجيء إليه . قال هارون للفضل : ليس هذا من أريده . فأخبروا سفيان بالواقعة ، قال :
هذا الذي قصده أمير المؤمنين ليس إلّا الفضيل . فذهبوا إليه ، فلمّا وصلوا إلى بابه أحسّوا « 1 » أنه يقرأ شيئا من القرآن ، فاستمع هارون ، فإذا هو يقرأ :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ الجاثية : 21 ] قال هارون : لو لم يكن لنا حظّ من صحبة هذا الشخص غير استماع هذه الآية لكفانا . ثم دقّ الباب ، قال الفضيل : من على الباب ؟ قالوا : هو أمير المؤمنين هارون . قال الفضيل : وما شأنه معي ؟ فإنّي رجل فقير هارب . وما فتح الباب ، قال الحاجب : طاعة أولي الأمر واجبة . قال : لا تشوّشوني . قال الحاجب :
لا بدّ من الدخول إليك . قال الفضيل : أمّا بالإذن فلا ، وأمّا بالحكم والوقت ،
هامش
( 1 ) في ( أ ) : إلى بابه سمعوا .