ليس معنا . وأشاروا إلى مكان ، وقالوا : هناك شجرة وعين ماء ، وهو مشغول بالصلاة في ذلك المكان . قال هذا الرجل : ليس هذا وقت الصلاة . قالوا : يصلّي تطوّعا . قال : وكيف هو لا يأكل معكم ؟ قالوا : إنّما هو صائم . قال : ليس هذا من أيام الصوم . قالوا : يصوم تطوّعا . فتعجّب الرجل ، وجاء إليه ، فرآه في غاية الخشوع ، وهو في الصلاة ، وقف إلى أن فرغ من الصلاة ، قال له : الضدّان لا يجتمعان ؛ الصوم وقطع الطريق ، والصلاة وقتل النفس . قال الفضيل : هل معك شيء من القرآن ؟ قال : نعم ، وقرأ عليه :
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً
[ التوبة : 102 ] فسكت الفضيل ، وتحيّر في شأنه .
وقيل : إنه كان في أيام شبابه قبل التوبة ذا مروءة وهمّة عالية ، وكان لا يأخذ من النساء شيئا ، ويترك لكلّ واحد مقدار رأس مال ليتّجر فيه ، وكان مائلا إلى الصلاح ، وعشق امرأة في ابتداء حاله ، وما كان يحصل له من قطع الطريق كان يصرفه إليها ، وكان يدور بالليل ، ويبكي من العشق ، حتى سمع ليلة من شخص في قافلة يقرأ هذه الآية :
* أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
[ الحديد : 16 ] فوقعت في قلبه وقوعا شديدا ، وأثّرت فيه تأثيرا عظيما ، وقال ذلك الشخص القارئ : يا فضيل ، إلى متى تقطع الطريق ؟ فنحن الليلة نقطع الطريق عليك - يعني نعبر من مكانك بحيث لا تطّلع علينا - وكانوا خائفين من الفضيل ، والحال أنّ الفضيل كان على رأس حائط ، فلمّا سمع الآية والكلام بعده ، رمى نفسه من الحائط ، وقال : نعم ، قد آن الوقت .
بل عبر فتوجّه إلى خربة متحيّرا في حاله ، خجلا من فعاله ، فالتقى فيها بجماعة من المجتازين - أي العابرين الطريق « 1 » - قد اختفوا هنالك من الفضيل ، وكان يقول بعضهم : نذهب . وبعضهم يقول : نخاف أن يكون الفضيل على الطريق . قال الفضيل : أبشروا ، فإنّ الفضيل قد تاب .
فكان رحمه اللّه يدور على الخصماء ، ويرضيهم ، ويستحلّ منهم ويبكي
هامش
( 1 ) كذا الأصلين .