فتقاطر من دموعه على رابعة . فظنّت أنه من المطر ، ونظرت إلى فوق ، وعلمت أنّه من دموع عين الحسن ، قالت : يا شيخ ، هذا البكاء أظنّه من رعونات النفس « 1 » ، فاجمعها في جوفك حتى تصير بحرا تطلب قلبك منه ، ولا تجده إلّا عند مليك مقتدر . فانغاظ الحسن من هذا الكلام ، إلّا أنّه كان ساكتا عن الجواب إلى أن رأته رابعة قد بسط سجادة على الماء ، وجلس عليه . فقال : يا رابعة ، تعالي لنصلّي هنا ركعتين . قالت : من أراد عرض الآخرة في سوق الدنيا ينبغي أن يكون بحيث يعجز عنه أمثاله ، ثم رمت رابعة سجّادتها إلى الهواء ، وصعدت إليها ، وقالت : يا شيخ ، تعال إلى هنا نصلّ ؛ لئلا يرانا أحد . فسكت الحسن رحمه اللّه ، لكن أرادت رابعة أن تطيّب خاطره ، قالت : يا شيخ ، الذي أنت فعلته تفعله السمك ، والذي أنا فعلت يفعله الذباب ، ولكن لا بدّ من الاجتهاد في العمل
نقل أن الحسن البصري رحمه اللّه قال : كنت عند رابعة يوما وليلة ، وكنّا نتحدّث في الطريقة والحقيقة ، ولا يخطر ببالي أنّي رجل ، ولا ببالها أنّها امرأة ، ثم لمّا خرجت من عندها وجدت نفسي مفلسا ، ووجدتها مخلصة
أقول : وهذا من كمال تواضع الحسن ، فلا شكّ أنه يدلّ على كمال نفسه ، إذ ليس شيء أضرّ للسالك من عجبه بنفسه . ولتعليم مقام التواضع كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول فيما روي عنه : « لا تفضّلوني على يونس بن متى « 2 » » مع أنه صلى اللّه عليه وسلم كان أفضل من يونس عليه السلام ، ومن غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، يؤيّده
هامش
( 1 ) في ( أ ) : من دموعات النفس .
( 2 ) لم أجده بلفظه ، وقد روى البخاري في صحيحه 5 / 52 في الخصومات ، باب ما يذكر في الأشخاص ، ومسلم ( 2373 ) في الفضائل ، باب من فضائل موسى صلى اللّه عليه وسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تفضلوا بين أنبياء اللّه ، فإنه ينفخ في الصور ، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه ، ثم ينفخ فيه أخرى ، فأكون أول من يبعث ، فإذا موسى آخذ بالعرش ، فلا أدري أحوسب بصعقة الطور ، أم بعث قبلي ؟ ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى » .