فتقلقلت رابعة ، واضطربت عليها الأحوال ، وقالت : إلهي ، لا تتركني في بيتي ولا في بيتك ! إمّا اتركني في بيتي في البصرة « 1 » ، وإمّا يسّر لي طريقا إلى بيتك بمكّة ، فأنا في أوّل الأمر ، ما كنت راضية بالبيت ، بل كنت أطلب ربّ البيت ، والآن فلا طريق لي إلى البيت أيضا ، ثم رجعت إلى البصرة ، وسكنت في صومعتها
ونقل أنه جاء إليها شخصان من الأكابر زيارة لها ، ولهما رغبة في طعام ، فقال أحدهما للآخر : لعلّها تطعمنا شيئا . فلمّا جلسا عندها ، جاءت إليهما برغيفين كانا عندها ، ففرحا بذلك ، وشرعا في الأكل ، إذ جاء سائل بالباب ، فأخذت الرّغيفين ، وأعطتهما إيّاه ، فتعجّب الضيفان من ذلك الفعل ، ولكن سكتا ، فبعد ساعة جاءت جارية ، وأتت لها بخبز كثير طريّ ، وقالت : سيدتي بعثت لك « 2 » . فعدّته رابعة ، فإذا هي ثمانية عشر ، فردّته على الجارية ، وقالت :
ليس هذا بتمام ما بعثته سيدتك . فبالغت الجارية معها لتقبلها وما قبلته ، فأخذت الجارية الخبز ، وخرجت من عندها ، ثم رجعت به ، فعدّته رابعة ، فإذا هو عشرون ، فقبلته ، وقالت : هذا الذي بعثت إليّ . وقدّمته إلى الضيفين ، وهما في التعجّب من أحوالها وأفعالها ، فشرعا ثانيا يأكلان ، ثم سألاها عمّا جرى بين يديهما من الأوّل إلى الآخر من الأسرار ، وقالا : اشتهينا الخبز الأول ، وما تركتيه لنأكل منه ، ثم عددت الخبز الذي جاءت به الجارية ، ثم قبلت ثانيا بعد العدّ ، وقلت أولا : ليس هذا الخبز بتمام ، وفي المرّة الثانية قلت : هذا تمام . قالت : فحين دخلتما عليّ علمت أنّكما جائعان ، قلت في نفسي : كيف أقدّم رغيفين إليكما ؟ فلمّا جاء السائل أعطيتهما السائل طمعا في أن يعوّضني اللّه تعالى عن كلّ واحد عشرة ؛ لأني تيقّنت قول اللّه تعالى ووعده :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
[ الأنعام : 160 ] فجاءت الجارية بثمانية عشر ، علمت أنّها أخذت رغيفين ، فلمّا جاءت ثانيا بعشرين علمت أنها حقّي ، فقبلتها لذلك .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : إما اتركني في البيت الذي كان لي بالبصرة .
( 2 ) في ( ب ) : سيدتي بعث لك .