ونقل أنّها كانت تصلّي في صومعتها أثّر فيها ضعف ، وغلب عليها نوم ، فوقعت على وجهها ، وانكسر من الحصير عود في عينها ، ودميت وما أحسّت .
وجاء سارق ، وأخذ ملحفة كانت لها عتيقة بالية ، وأراد الخروج ، فاشتبه عليه الطريق ، ولم يجد الباب ، فردّها إلى موضعها ، وأراد أن يخرج ، انفتح له الباب ، ثم رجع وأخذها ، وعند الخروج انغلق عليه الباب ، ثم ردّها ، وتوجّه إلى الباب وجده مفتوحا ، وهكذا إلى قرب سبعين مرة ، ثم سمع من بعض زوايا الصومعة : يا رجل ، إلى كم تتعب نفسك ؟ ! فإنّها - أي رابعة - قد سلّمت نفسها إلينا منذ سنين ، فلا جرأة لإبليس أن يطوف حولها ، وأنت يا طرّار « 1 » ، لا تتعب ؛ فإن إحدى الحبيبين ، وإن كانت نائمة ، فالحبيب الآخر منتبه ، فيحفظها
ونقل أن خادمة رابعة احتاجت إلى بصلة ، لأنّها أرادت أن تطبخ طعاما بعد أن لم تطبخه مدّة ، قالت : أطلب من بعض الجيران ؟ فمنعتها رابعة ، وقالت :
عاهدت اللّه تعالى من أربعين سنة أن لا أسأل من غيره شيئا ، اطبخي بلا بصل .
ففي الحال جاء طير وفي منقاره بصلة مقشّرة ، وألقاها في القدر الذي كان لها ، فتركت رابعة ذلك الطبيخ ، وما أكلت منه ، وقنعت بالخبز اليابس وقالت :
يمكن أن يكون مكرا .
ونقل أنها صعدت جبلا ، وقد جاء إليها جماعة من الوحوش ، وطافت حولها ، ودارت بين يديها مستأنسة بها ، وما نفرت منها ، فبينا هي كذلك إذ جاء الحسن البصري رضي اللّه عنه ، فتوجّهت رابعة إليه ، فلمّا أحسّت الوحوش بالحسن فرّت وتفرّقت ، فتغيّر الحسن وتعجّب من الحال ، وقال : يا رابعة ، لم تفرّ الوحوش عنّي ، وقد رأيتها استأنست بك ؟ قالت رابعة : ما أكلت اليوم ؟
قال : شيئا من الشحم والبصل . قالت : أكلت شحمهنّ ، لا جرم يهربن منك .
ونقل أنها مرّت ببيت الحسن ، والحسن قد أخرج رأسه من الشباك ويبكي ،
هامش
( 1 ) انظر شرح كلمة الطرار صفحة ( 511 ) .