الباطن والأمور المعنوية فلا استبعاد فيها ؛ ولكن لا يجزم بها ، ولا تعلم كيفيتها ، واللّه أعلم
ثم خرجت « 1 » رابعة إلى البصرة ، واشتغلت هناك بعبادة اللّه تعالى إلى سنة ، وقالت : الكعبة استقبلتني في العام الماضي ، وإنّي أستقبلها في هذه السنة .
فلمّا جاء وقت السفر نقل الشيخ أبو علي الفارمذي رحمه اللّه : أنها قصدت الحجّ ثانيا ، ودخلت البادية ، وكانت تتقلّب على جنبيها في الطريق حتى وصلت على هذه الحالة بعد سبع سنين إلى عرفات ، فحين انتهت إليها سمعت هاتفا يقول : ما هذا الطلب يا مدّعية ؟ فإن كنت طالبة لنا فنتجلّى لك تجلّيا واحدا لتذوبي في الحال كما يذوب الملح في الماء . قالت : يا ربّ العزة ، ليس لرابعة رأس مال تتّجر به هذا المقدار من المال والربح ؛ لكن أطلب نقطة من الفقر .
فنوديت : يا رابعة ، الفقر هو قهرنا الموضوع على طرق الرجال الذين يتوجّهون إلينا ، فإذا وصلوا إلى مقام لم يبق بينهم وبين حضرتنا القدسية إلّا مقدار شعرة ، لا يأمنون من أن تهبّ ريح القهر من هواء الغيرة ، وينقلب الحال عليهم ، وينعكس الأمر ، ويتبدّل الوصال بالفراق ، والقرب بالبعد ، والرّضا بالسخط « 2 » ، وأنت يا رابعة مغمورة بعد ، محجوبة بسبعين حجابا ، فإذا لم تقطعي الحجب ، ولا تعبري بعده بسبعين مقاما ، لا يمكنك حديث الفقر ؛ ولكن يا رابعة انظري إلى فوقك . فنظرت ، فرأت بحرا من الدم في الهواء ، وقال هاتف : هذا البحر الذي رأيتيه دموع عشّاقنا ، أتوا لطلب وصالنا ، فعطبوا في المنزل الأول ، ولم يعلم أحد بهم أثرا في الدارين غيرنا . قالت رابعة :
إلهي ، أرني من علامة سعاداتهم شيئا . ففي الحال حاضت ، ثم سمعت هاتفا يقول : المقام الأول لهم أن يتقلّبوا على جنوبهم في بوادي محبّتنا سبع سنين لزيارة حجر ، فإذا وصلوا إلى قرب الحجر ينسدّ عليهم الطريق بعلّة توجد فيهم .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : ثم رجعت .
( 2 ) في ( أ ) : وأنشد بعضهم في هذا المعنى بيتين .