تراب وحجر ، والمطلوب أنت ؟ فألهم اللّه تعالى في قلبها : يا رابعة ، أتريدين إحراق العالم مع أهله ؟ أما رأيت أن موسى عليه السلام طلب ما تطلبين ، فتجلّينا على الجبل مقدار ذرّة ، فانشقّ الجبل ، اقنعي اليوم بالاسم . فلمّا كان الأمر كذلك جدّت في السير حتى لمّا قربت من الكعبة ، رأت روحانية الكعبة قد استقبلتها ، فنظرت إليها وقالت : إنّي لا أريدك ، ولا أفرح باستقبالك ، أريد استقبال من قال : « من تقرّب إليّ شبرا ، تقرّبت إليه باعا » « 1 » .
أقول : يعني استقبال من هذا كلامه ، واللّه أعلم
نقل أن إبراهيم بن أدهم سلك طريق الحجّ أربع عشرة سنة ، وكان رحمه اللّه يصلّي ركعتين ثم يخطو خطوتين ، حتى لمّا وصل « 2 » إلى الكعبة لم يرها في مكانها ، قال : آه ، عسى أنّ في عيني خللا ، فهتف به هاتف وقال : ليس في عينك خلل ؛ ولكن الكعبة استقبلت ضعيفة تجيء إليها « 3 » . فحصل لإبراهيم غيرة شديدة ، واضطرب خاطره ، وقال : من الذي بلغ إلى حال تستقبله الكعبة ؟
فسعى إليها ونظر ، فإذا هي رابعة جائية ، ورجعت الكعبة إلى مكانها ، وقال إبراهيم : ما هذه الشهرة ، أظهرتها في الدنيا ؟ قالت رابعة : أنا ما ألقيت الشهرة في الدنيا ، ولكن أنت ألقيت ، حيث جئت إلى مكّة في مدة أربع عشرة سنة . ثم حجّت رابعة ، وبكت ، وقالت : إلهي ، إن قبلت حجّتي فاكتب لي ثوابها ، وإن لم تقبلها فتلك مصيبة ، فأعطني أجرها .
أقول : يؤيّده قوله تعالى :
الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
[ البقرة : 156 - 157 ] وأمّا أمثال هذه الحكاية أي مجيء الكعبة إلى رابعة استقبالا لها ، إن كانت محمولة على الظاهر فلا قائل بها ، فضلا عن الاعتقاد ، وأما إن حملت على
هامش
( 1 ) حديث رواه مسلم ( 2687 ) في الذكر والدعاء ، باب فضل الذكر والدعاء . عن أبي هريرة .
( 2 ) في ( أ ) : ثم يخطو خطوة ، حتى إذا وصل إلى الكعبة .
( 3 ) جاء في هامش ( أ ) : واستقبال الكعبة أمر عظيم ، لا يقع في نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم ، كيف يقع لامرأة من أمّته ؟ .