تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
إلى أن انتبه السيّد في بعض الليالي ، وكان على السطح ، إذ سمع صوتا من البيت ، فنظر من الروزنة « 1 » ، فرأى رابعة في السجدة ، وتقول : إلهي ، تعلم أنّ هوى قلبي على موافقتك ، وامتثال أمرك ، ورضاي في خدمة باب عظمتك ، وإن كان أمري بيدي ما فترت عن الخدمة والعبودية ، ولا استرحت ، ولكنّك جعلتني تحت يد مخلوق ، وهكذا تناجي اللّه تعالى ، ورأى قنديلا معلّقا فوق رأسها بلا سلسلة ، والبيت قد أضاء منه ، فلمّا اطّلع السيد على حالها ، صار متفكّرا قائلا : لا يليق بنا أن نستخدم مثل هذه ، ونجعلها مشغولة بخدمتنا ، بل يجب علينا أن نقوم نحن بخدمتها . فلمّا أصبح دعا رابعة وأكرمها وأعتقها ، فاستأذنت منه الرّواح إلى حيث ما شاءت ، فأذن لها ، فخرجت من بيته ، ودخلت خربة ، فما كان يطّلع على حالها غير علّام الغيوب ، واشتغلت فيها بالعبادة للّه تعالى ، وكانت تصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة ، وتحضر مجلس الحسن رحمه اللّه في بعض الأحيان . وقيل : إنّها صارت مطربة مغنية ، ثم تابت على يد الحسن ، ثم تركت الخربة ، واتّخذت صومعة في مغارة بعيدة من الناس ، ثم قصدت الحجّ ، وكان لها حمار ، فحمّلته بعض شيء من أثقالها ، وتوجّهت إلى مكة « 2 » ، فلمّا بلغت نصف الطريق هلك حمارها ، وأراد بعض الناس أن يحمل أثقالها ، فما رضيت ، وقالت لهم : أنتم اذهبوا ، فإنّي ما جئت متوكّلة عليكم . فارتحلت القافلة ، وبقيت رابعة في البادية منفردة ، قالت : إلهي ، الملوك كذا يعملون مع امرأة عاجزة غريبة ، دعوتني إلى زيارة بيتك ، وأهلكت حماري في الطريق ، وتركتني في البوادي وما نمت ! ؟ وبينما هي في المناجاة إذ تحرّك الحمار ، وقام بإذن اللّه ، وحمّلته رابعة وسارت به ، حتى روي أن الحمار المذكور رئي يباع في السوق ، ثم بعد زمان قالت : يا ربّ ، تضجّرت ، إلى أين أروح وأنا مدرة « 3 » ، والبيت
هامش
( 1 ) الروزنة : الكوة النافذة ، الخرق بأعلى السقف . متن اللغة ( رزن ) . ( 2 ) في هامش ( أ ) : وسفر المرأة بغير محرم مخالف للشرع . ( 3 ) المدر : قطع الطين ، واحدتها مدرة .