والحال أنّه ما ازداد فيها شيء أصلا ، فبعد أربعين سنة اشتهى الرّطب اشتهاء شديدا ، وكلّما [ أراد ] أن يصبر ازدادت شهوته إليه ، حتّى فني صبره ، وكان يمنع النفس عن أكله ، ويمنّيها إلى أن عجز عن طلب النفس ، وكان يقول : يا نفس ، لا آكل الرّطب ، فإن شئت الموت فشأنك وإياه ، وإن أردت الهلاك فاهلكي ، حتى سمع هاتفا يقول : لا بدّ لك من أكل الرّطب وإراحة النفس ، فلمّا سمع الكلام ، وحصل للنفس رخصة في أكله ، قال مالك : يا نفس ، إن أردت أطعمك ، فصومي أسبوعا كاملا ، ثم أطعمك ، ولكن أريد ألا نفطر في الليل بشيء قطعا ، وتحيي الليل كلّه في هذا الأسبوع بالقيام ، فرضيت نفسه بذلك ، ووفّت بالعهد ، ثم ذهب مالك إلى السوق ، واشترى الرّطب ، ودخل مسجدا ليأكل ، فصاح صبيّ يهودي من السطح إيّاه ، وقال : يا أبت ، شخص يهوديّ اشترى شيئا من الرطب ، ودخل هذا المسجد ليأكل . فقال أبوه اليهوديّ : كيف يدخل المسجد ؟ فجاء إلى ذلك الشخص ليكشف الحال ، فرأى مالكا ، فوقع بين يديه ، وتمرّغ في التراب ، فقال مالك : ماذا قال الصبيّ ؟ قال اليهوديّ : هو صبيّ معذور ، ما عرفك ، والحال أن في محلّتنا وجيراننا ناسا من اليهود يصومون ولا يأكلون بالنهار شيئا ، فظنّ الصبيّ أنّك منهم ، وتعجّب من اشتغالك بأكل الرّطب ، فاعف عنه يا شيخ ؛ فإنه لم يتكلّم بهذه الكلام إلّا من الجهل . فالتهبت نار في فؤاد مالك ، وعلم أنّه كان من الغيب ، فقال : يا ربّ العالمين ، ما أكلت بعد شيئا من الرّطب وسمّيتني يهوديّا بلا جرم ولا ذنب ؛ فإن أكلت منه شيئا كيف يكون حالي ؟ بعزّتك وكبريائك لا آكل من الرّطب أبدا . وما أكل .
ونقل : أنه وقع حريق في البصرة ، فأخذ مالك نعليه وعصاه ، وصعد الجبل ، ومنه ينظر إليهم ، فبعضهم كان يحترق ، وبعضهم يهرب ، وبعضهم ينقل أثقاله ويحمل أحماله ، وهو كان يقول : نجا المخفّفون وهلك المثقلون « 1 » ، وهكذا يكون يوم القيامة .
هامش
( 1 ) انظر الحاشية ( 1 ) صفحة ( 67 ) .