لي من يقضيها ، فدخلت السّوق بتعب عظيم لأجله ، والتقيت بحاكم البلد فيه ، ومعه ناس كثير من غلمانه وأجناده ، فصاح رجل منهم عليّ وأمرني بالخروج عن الطريق ، ولم يكن لي طاقة الخروج عنه مسرعا ، فضربني بمقرعة ، فقلت :
قطع اللّه يدك ، فرأيته في اليوم الثاني قد قطعت يده .
وحكي أنّه كان له جار مفسد قبيح الخصال ، ومالك كان يتأذّى منه ويتضرّر ، ولكن كان يصبر ولا يظهر من ذلك شيئا حتى ظهرت حاله ، واشتكى الناس منه لسوء سيرته وقبح معاشرته ، وكان رجلا جبّارا متمرّدا ، فذهب إليه مالك رحمه اللّه ليأمره بالمعروف ، وينهاه عن المنكر ، فلمّا سمع الرجل مقالة الشيخ ، قال : أنا من المقرّبين في حضرة السلطان « 1 » ، ومن يستجري أن يقول في وجهي شيئا من هذا القبيل ؟ قال الشيخ : نعرض أحوالك على السلطان . قال الرجل : السلطان لا يطلب مخالفتي . قال الشيخ رحمه اللّه : نشتكي منك إلى اللّه تعالى . قال : فإن اللّه أكرم من أن يؤاخذني بزلّاتي . فخرج مالك من عنده ، ومضت أيام ، وهو أفرط في الشرّ والفساد والبغي والعناد ، فجاء الجيران إلى مالك يشتكون منه ، فذهب إليه مالك مرة ثانية للنصيحة ، فسمع قائلا يقول :
اقصر يدك يا مالك من صديقنا ولا تؤذيه . فتعجّب مالك من هذه الحال ، وذهب إلى الرجل ، فقال له الرجل : لم جئت ؟ قال الشيخ : ما جئتك زاجرا ، وحكى له الحكاية ، فلمّا سمع الرجل الخبر قال : فالأولى أن أترك الدّنيا ، فتركها واشتغل بطاعة اللّه تعالى ، وشرع في السفر والسياحة . قال مالك : رأيته بعد مدّة في مكّة ، كأنه صار خلالا « 2 » من الضعف ، وما بقي منه إلّا رمق ، فلمّا رآني قال : لما قال الحبيب : أنا صديقه ، فها أنا ذاهب إليه ، وغمض عينيه ، وراح إلى رحمة اللّه تعالى .
وحكي : أنه اكترى دارا بقرب دار يهوديّ ، ومحراب داره إلى باب اليهودي ، فحفر اليهودي هناك جبّا حتى جعله مبرزا ، على قصد إيذاء مالك ،
هامش
( 1 ) في ( أ ) : من المقربين عند السلطان .
( 2 ) الخلال : العود الذي تخلّل به الأسنان ، والدبّوس .