ونقل : أنه ذهب إلى عيادة مريض ، وقد احتضره الموت ، فكلّما لقّنه الشهادة ، كان يقول : عشر ، أحد عشر ، وما تكلّم بالشهادة ، ثم قال : يا شيخ ، بين يدي جبل من النار ، كلّما أقصد أتكلّم بكلمة الشهادة النار تحمل عليّ وتقصدني ، ثم سأل عن صنعته ، قيل : كان يعامل الناس بالسلف ، ومكياله كان ناقصا .
قال جعفر بن سليمان : كنت مع مالك في سفر الحج « 1 » ، فلمّا أحرمنا بالحج ، وقال : لبّيك ، خرّ على وجهه مغشيّا ، فلمّا أفاق سألته عن ذلك ، قال :
حين قلت لبّيك ، فزعت أن يقال : لا لبّيك ولا سعديك .
ونقل : أنّه حين يقول :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 5 ] كان يبكي ويقول : لو لم تكن هذه آية من كتاب اللّه تعالى ، وما أمر اللّه بتلاوتها ما كنت أقرؤها أبدا ، لأنّا نقول :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
والحال أنّا نعبد أنفسنا - أي نطيعها - ونقول :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
ومنك نطلب العون ، ونذهب إلى باب السلطان والقاضي ، ونشكر من الناس ونشكوا .
ونقل : أنه رحمه اللّه كان يحيي الليل كلّه بالطاعة والعبادة ، وكانت له بنت ، قالت : يا أبت ، نم لحظة واسترح . قال : يا بنتي ، إنّي أخاف من أن يتوجّه إليّ في الليل سعادة ، وتصادفني نائما .
قيل له : كيف أنت ؟ قال : كيف حال شخص يأكل رزق الرحمن ، ويطيع الشيطان .
قال : لو نادى مناد على باب المسجد ، ويقول : ليخرج شرّ الناس ، لا يخرج أحد من المسجد قبلي . وكان شرف مالك من هذا .
وممّا يدلّ على كمال تواضعه وذلّته في نفسه أنّه نادته امرأة باسم قبيح كريه ، فأجاب مالك وقال : مذ عشرين سنة ما سمّاني أحد باسمي ، ولكن أنت عرفت اسمي وعرفتني .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : في السفر من الحج .