تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
ولا يخفى أن الحال كيف كانت ، ومالك ما كان يشتكي إلى أحد ، ولا يظهر ضجرا ، حتى اضطر اليهوديّ ، وقال له يوما : يا فلان ، كيف لا تتأذّى من هذا ؟ قال : أتأذّى ، ولكن قد حصّلت زنبيلا ومجرفة ، وأكنس كلّ يوم ما يحصل في الحفرة من الزبل . قال اليهوديّ : ألا يحصل لك غيظ ؟ قال : بلى ، ولكن أكظمه قال اللّه تعالى :
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
[ آل عمران : 134 ] فلمّا سمع اليهوديّ ندم وأسلم على يد مالك . نقل : أنه مضت أعوام وسنون ، وكان لا يأكل حلوا ولا حامضا ، وكان إذا أراد الإفطار يشتري من الخباز خبزا ، ويفطر عليه ، وكان إدامه أنّ خبزه في بعض الأوقات كان لبنا ، وحصل له وجع ، فاشتهى لحما ، صبر عشرة أيام ، فاضطرّ في ذلك ، وانتفى صبره ، وذهب إلى دكان روّاس ، فاشترى كراعين ، وأمسكه في كمّه ورجع ، والروّاس كان عارفا بحاله ، فأرسل عقبه غلاما ليرى ماذا يفعل ، فجاءه الغلام يبكي ، وأخبر أنّه جلس في مكان خال ، وأخرج كراعا من كمّه وشمّه ، وقال : يا نفس ، يكفيك هذا القدر ، ثم خرج ، وأعطاهما للفقراء ، ثم قال : يا جسد ، لا تظنّن أنّي كلّفتك بهذه المشقّة والتكليفات الشديدة في الدنيا بعداوتي إياك ؛ إذ ليس في الدنيا شيء أعزّ وأحبّ إليّ منك ، ولكن أعمل معك مثل هذه الأفعال الشاقة ، وأحمّلك فوق طاقتك بغاية المحبة معك حتى تستريح غدا ولا تحترق ، اصبر أياما قليلة ، فإنها تمضي وتمرّ عن قريب ، ثم يرزقك اللّه تعالى نعيما لا يزول ، وملكا لا يفنى . وقال : أسمع الناس يقولون : من لم يأكل اللحم أربعين يوما ينقص عقله ، وأنا ما أكلته عشرين سنة ، وما نقص عقلي ؛ بل ازداد بمنّه تعالى . ونقل : أنّه أقام بالبصرة أربعين سنة ، وما أكل من الرّطب قطّ ، وكلّما تنقضي أيام الرّطب ، كان يقول لمن أكل الرطب : هذا بطني ما انتقص منه شيء ، مع أنّي ما أكلت شيئا من الرّطب ، وهذه بطونكم ، وأنتم أكلتموه « 1 » ،
هامش
( 1 ) في ( ب ) : وأنتم أكلتموهم .