تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
له يوما من الأيام مسير إلى ساحل دجلة ، رأى رجلا أسود ، وعنده امرأة وقارورة ، وكان يتجرّع من القارورة ، ففكّر الحسن : أنّ هذا الرجل ، هل هو خير مني ؟ ثم قال في نفسه : لا شكّ أنّه خير منّي ، إلّا أنه بظاهر الشرع جالس مع امرأة ، ويشرب الخمر ، فما تمّ هذا الخاطر في باله إذ طلع مركب على الشطّ ، وفيه حمل ثقيل ، وجماعة من الناس ، ومال إلى جانب وغرق ، وكان فيه سبعة أشخاص ، فغرقوا ، فالأسود المذكور نزع ثيابه في الحال ، ورمى نفسه في الماء ، وأمسك منهم اثنين بيديه ، واثنين برجليه ، واثنين بضرسه ، وأخرجهم من الماء ، ثم صاح إلى الحسن ، وقال : يا حسن ، أنا أنجيت بتوفيق اللّه ستّة منهم ، فخلّص أنت هذا الواحد الباقي من الغرق ، ثم قال : يا حسن ، اعلم أن هذه المرأة والدتي ، والقارورة فيها ماء ، قصدت امتحانك ، حتى نعلم أنّك بصير أم أعمى ؟ فتعجّب الحسن ، واعتذر ، وتحقّق أنّه كان مبعوثا لامتحانه من اللّه تعالى ، ثم قال له الحسن : للّه كما صرت سببا لنجاة هؤلاء الغرقى ، فأنجني ؛ فإنّي غريق في بحر العجب . قال الأسود : أقرّ اللّه عينك . فصار الحسن بعده إلى حيث ما كان يرى نفسه خيرا من أحد أصلا ، حتى روي أنّه رأى كلبا ، قال : إلهي ، اجعلني مساويا لهذا الكلب . فقيل له في ذلك ، فقال : إنّي إن قفزت عن هذه الورطة فلا شكّ أنا خير منه ، وإن بقيت في هذه الورطة والحالة فهو خير منّي بعزّة اللّه تعالى . نقل عنه رضي اللّه عنه أنه قال : أعجبني أربع كلمات سمعتها من أربعة أشخاص : الأولى : سمعت مخنّثا قد عيّرت عليه ، قال : يا شيخ ، لا تتنفّر عنّي ، ولا تطو ذيلك منّي ، فالأمر في ثاني الحال ، ولا شكّ أنّه مخفيّ علينا ، واللّه أعلم بالعاقبة . والثانية : رأيت رجلا سكران وقع في ماء وطين ، يمشي ويتمايل من الجانبين ، يقوم مرّة ويقع مرّة أخرى ، قلت له : ثبّت قدميك يا مسكين حتى لا تزلّ . قال السكران : أنت يا شيخ ثبّت قدميك حتّى لا تزلّ مع هذه الدعوى ؛