الشيخ وحده ، قام إليه أبو عمرو وسلّم عليه ، وقال : اللّه اللّه يا شيخ ، ادع اللّه لي ، وحكاه الحكاية ، فاغتمّ له الشيخ ، ونظر بطرف العين إلى السماء ، وما ارتدّ إليه نظره ، إذ تذكّر أبو عمرو جميع القرآن ببركة دعائه ، قال أبو عمرو رحمه اللّه : تمرّغت بين يديه على التراب من غاية الفرح ، وقبّلت رجله ، قال الشيخ : من دلّك عليّ ، وأرشدك إليّ ؟ قال أبو عمرو : الحسن البصري . فتبسّم الشيخ ، وقال : فضحني الحسن ، وأنا أيضا أفضحه ، ثم قال لي الشيخ : إن الرجل الذي جاء إلينا ، وأكرمناه وصلّينا معه الصلاة كان هو الحسن ، يجيء إلينا كلّ يوم ، ويصلّي بنا الظهر ، ثم يصلّي العصر بالبصرة ، ثم قال الشيخ : من كان له إمام مثل الحسن كيف يحتاج إلى غيره ، ولا يستدعي منه ؟ !
حكي أن رجلا في زمانه كان له فرس قد قرب من الهلاك ، وصار الرجل عاجزا متحيّرا في شأنه ، فذهب صاحب الفرس إلى الحسن البصري رضي اللّه عنه ، وشرح عنده الحال ، فاشترى الحسن ذلك الفرس منه بأربع مئة درهم ، وسلّم الثمن إليه ، فلّما جنّ عليه الليل رأى الرجل في منامه فرسه يرعى في مرج من مروج الجنة ، ومعه أربعة أمهرة « 1 » سمان شهب ، قال : لمن هذا ؟ قالوا :
للحسن البصري ، ولكن كانت لك قبله . فانتبه ، وجاء من الغد إلى الحسن البصري ، واستقال منه البيع ، وأظهر فيه ندمه ، قال له الحسن : اذهب ، فالذي رأيته أنت البارحة ، فأنا رأيته بارحة أمس . فاغتمّ الرجل ورجع ، ثم رأى الحسن في ليلته غرفا ومناظر عالية في الجنة ، فسأل : لمن هذه ؟ قالوا : لمن أقال بيع نادم . فطلب الحسن رضي اللّه عنه في اليوم الثاني ذلك الرجل ، وفسخ العقد ، وأقال البيع .
نقل : أنّه كان جيران الحسن « 2 » مجوسيّا اسمه شمعون ، قد عبد النار سبعين سنة ، ثم لمّا حضرته الوفاة أخبر الحسن عن حاله ، قام إليه أداء لحقّ المجاورة ،
هامش
( 1 ) في ( أ ) : ومعه أربع مئة مهر .
( 2 ) كذا الأصلين ، ولعلّها : أنه كان جار من جيران الحسن مجوسيّا .