فرآه قد أسودّ ظاهره وباطنه من النار التي عبدها ، قال : خف من اللّه تعالى ؛ فإنّ عمرك الذي كان رأس مالك قد انقضى في النار والدخان ، وأغضبت اللّه تعالى عليك ، وما عملت برضاه أصلا ، فاليوم يوم الندم والتوبة والإسلام والاستغفار ، عسى اللّه أن يتوب عليك ويرحمك . قال المجوسيّ : يمنعني عن الإسلام ثلاثة أشياء ، الأول أنّ أهل الإسلام يذمّون الدّنيا ليلا ونهارا ، ثم يطلبونها سرّا وجهرا . الثاني : أنّهم يقولون ويعلمون أنّ الموت حقّ ، ثم لا يتهيؤون له ولا يعدّون أسبابها . الثالث : أنهم يعتقدون أنّهم سيرون اللّه تعالى في القيامة ، ثم لا يعملون برضاه . قال الحسن رحمه اللّه في نفسه : إنّ هذا ليس من كلام المنكرين ، ثم قال له : المؤمنون يعملون ما ذكرت ؛ ولكنّهم مقرّون بوحدانية اللّه تعالى ، لا يصرفون أعمارهم في عبادة النار مثلكم ، وليس للنار وفاء أصلا ؛ فإنّك عبدتها سبعين سنة ، وتقرّبت إليها ، وأنا ما عبدتها قطعا ، تعال ندخل فيها ، ثم ننظر أنها : هل تحرقني أم تحرقك ؟ بل تحرقنا جميعا ، إلّا إذا منعها اللّه تعالى عن الإحراق ، فإنّها لا تقدر على إحراق شعرة على جسد موحّد . ثم أدخل الحسن يده في النار ، وقال للمجوسيّ : وافقني ، وأدخل يدك أيضا فيها . فما قدر المجوسيّ على ذلك ، ولم تحرق النار بقدرة اللّه تعالى شعرة من يد الحسن « 1 » ، وما وصل إليها ألم ، فلمّا رأى المجوسيّ المشرك ذلك تحيّر وتعجّب منه ، وصبح العرفان آخذ في الطلوع ، وليل النّكران شرع في الرجوع ، قال للحسن : بعد أن عبدت النار سبعين سنة ، وما بقي من عمري إلّا أنفاس معدودة لا تسع إلّا شيئا قليلا ، فماذا أعمل ، وما التدبير والحيلة ؟ قال الشيخ : التدبير أن تؤمن باللّه . قال المشرك : فإن أعطيتني خطّا كتبته بيدك ، وتصير لي ضامنا بالرحمة والعفو وترك العقاب أنا أؤمن ، وأدخل في زمرة المؤمنين ، وإن لم تعطني خطّ يدك فلا . فكتب الحسن رحمه اللّه كتابا بهذا المعنى ، وأعطاه إياه ، قال المشرك : اشهد على ذلك جماعة من عدول البصرة ؛ فإنّي خائف من اللّه تعالى غاية الخوف . ففعل
هامش
( 1 ) في ( ب ) : شعرة من جسد الحسن .