ما قال ، فأخذ المشرك المجوسيّ ذلك الكتاب ، وبكى كثيرا ، وآمن باللّه وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ووصّى الحسن ، وقال : أريد أن تغسّلني بيدك ، وتضع الخطّ في يدي ليكون حجّة لي عند اللّه ، وتدفنني في مقابر المسلمين . فلمّا أتمّ الوصية خرجت روحه ، وتولّى الحسن ما وصّاه به ، وصلّى عليه في ناس كثير من المسلمين ، ثم وقع اضطراب في قلب الحسن من هذا الفعل ، وصيرورته ضامنا له ، وما نام تلك الليلة من هذا الفكر « 1 » ، وكان يصلّي ويقول في نفسه :
ماذا فعلت ، أنا أعطيت خطّا على جهل ، واستجريت على هذا الجهل العظيم ، والخطب الجسيم « 2 » إذ ليست رحمة اللّه في تصرّفي ، وأنا غريق في بحر موّاج ، كيف أقدر على تخليص غيري ؟ وكان في هذا الفكر ، إذ أخذه النعاس في السحر ، فرأى شمعون في المنام ، وله وجه وضيء أضوأ ما يكون ، وعلى رأسه تاج ، وعليه حلّة ، وهو يتبسّم ويطوف في رياض الجنة في غاية البشاشة والفرح والسرور ، قال له : يا شمعون ، كيف حالك ؟ فقال : أتسأل عن حالي وأنت تشاهدني وتنظر إليّ ! إنّ اللّه تبارك وتعالى رحمني ، وأنزلني في دار كرامته ، وغمرني بأنواع نعمته ، وشرّفني برؤيته ، وما فعل معي من اللطف والإحسان لا تحصيها العبارة ، ولا يحويه التقرير « 3 » ، وأنت يا شيخ قد خرجت من الضمان ، خذ كتابك ؛ إذ لا حاجة لي بعد إليه . فأخذ الشيخ الكتاب ، وانتبه من النوم ، والكتاب في يده ، فبكى حتى غسل المكتوب بدموعه ، وقال : إلهنا ومولانا ، علمنا أن لطفك وإحسانك لا يحصل بعلّة ، وإنّما هو محض تفضّل وامتنان ، من ذا الذي يصير خاسرا لديك ، وأنت ترحم مجوسيّا عبد النار طول عمره وأيام دهره .
نقل : أنّه كان فيه - رحمه اللّه - من الانكسار والتواضع ما لا يوصف ، حتى إنه ما كان ينظر شخصا من الأشخاص إلّا ويعدّه أشرف من نفسه وأفضل ، فاتّفق
هامش
( 1 ) في ( ب ) : من هذا الفعل .
( 2 ) في ( أ ) : والخطر الجسيم .
( 3 ) في ( ب ) : ولا يحويه التقدير .