شرع في الصلاة امتلأت البئر من الماء حتى وصل الماء إلى رأسها ، فاستقينا الماء ، وشربنا ، وملأنا الأوعية ، ولمّا عبرنا من ذلك المكان وجد الحسن رحمه اللّه تمرة في الطريق ، أخذها وقسمها علينا ، وكان نواته ذهبا ، بعناه في المدينة ، واشترينا بثمنه طعاما ، وأطعمنا الفقراء .
حكي أن أبا عمرو « 1 » الذي هو إمام في علم القرآن ، وعلم القراءة كان يتردّد إليه صبيّ صبيح الوجه لأجل تعلّم القرآن « 2 » ، فحسّنه إبليس في عينه ، وسوّل إليه ، فاختلّى به أبو عمرو « 3 » في بعض الأيام ، وقصد أن يقبّله ، فلمّا همّ به أنساه اللّه تعالى جميع القرآن من أوّله إلى آخره ، فندم أبو عمرو رحمه اللّه من ذلك القصد ، ووقعت في فؤاده نار ، واضطربت أحواله ، فجاء إلى الحسن رحمه اللّه ، وبكى كثيرا ، وقصّ عليه الحكاية ، واستدعى منه أن يدعو له في ذلك ، فحزن الحسن من ذلك ، وقال : هذا موسم الحجّ ، سافر مع الحجّاج ، وحجّ البيت ، وبعد الفراغ اذهب إلى مسجد الخيف تر هناك شيخا جالسا في المحراب ، لا تشوّش عليه الحال ؛ بل اصبر حتى يفرغ « 4 » ، ثم تقرّب إليه ، والتمس منه أن يدعو لك ، فإن دعاءه عند اللّه مستجاب . فامتثل أبو عمرو ، وذهب إلى مكّة شرّفها اللّه ، وبعد الفراغ من أعمال الحجّ قصد مسجد الخيف ، ورأى الشيخ الذي وصّاه الحسن به جالسا في محراب المسجد ، وحوله جماعة ، جلس أبو عمرو في ناحية من المسجد ، إذ دخل عليه رجل ، وعليه ثياب بيض نظيفة ، قام الشيخ والأصحاب كلّهم فاستقبلوه ، وسلّموا عليه ، ومكثوا إلى وقت الصلاة ، فقام الرجل وصلّى إمامهم ، واقتدى به الشيخ مع الأصحاب ، ولمّا قضوا الصلاة ، وتفرّق الجماعة ، وصار المسجد خاليا ، وبقي
هامش
( 1 ) هو زبّان بن عمّار التميمي المازني البصري أبو عمرو ، ويلقّب أبوه بالعلاء ( 70 - 154 ه ) من أئمة اللغة والأدب ، وأحد القرّاء السبعة .
( 2 ) في ( ب ) : تعلم القراءة .
( 3 ) في الأصلين : فتخلّى به أبو عمرو .
( 4 ) في ( أ ) : حتى يخلص .