والعاري المجهود ، والمظلوم المقهور ، والغريب الأسير ، والشّيخ الكبير ، وذي العيال الكثير ، والمال القليل ، وأشباههم في أقطار الأرض ، وأطراف البلاد ، فعلمت أنّ ربّي سيسألني عنهم يوم القيامة ، وأنّ خصمي دونهم محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فخشيت أن لا تثبت لي حجّة عند خصومته ، فرحمت نفسي فبكيت « 1 » .
وقال عطاء : دخلت على فاطمة بنت عبد الملك بعد وفاة عمر بن عبد العزيز ، فقلت لها : يا بنت عبد الملك ، أخبريني عن أمير المؤمنين . قالت :
أفعل ، ولو كان حيّا ما فعلت ؛ إنّ عمر كان قد فرّغ نفسه وبدنه للناس ، كان يقعد لهم يومه ، فإن أمسى وعليه بقيّة من حوائج يومه وصله بليلته . إلى أن أمسى مساء وقد فرغ من حوائج يومه ، فدعا بسراجه الذي كان يسرج له من ماله ، ثم قام فصلّى ركعتين ، ثم أقعى واضعا رأسه على يده ، تسايل دموعه على خدّه ، يشهق الشّهقة فأقول : قد خرجت نفسه ، أو تصدّعت كبده ؛ فلم يزل كذلك ليلته حتى برق له الصّبح ، ثم أصبح صائما ، فدنوت منه فقلت :
يا أمير المؤمنين ، ما كان منك اللّيلة ؟ قال : دعيني وشأني ، وعليك وشأنك ! قلت له : إنّي أرجو أن أتّعظ . قال : إذا أخبرك ؛ إنّي نظرت إليّ فوجدتني قد وليت هذه الأمة صغيرها وكبيرها ، وأسودها وأحمرها ، ثم ذكرت الغريب الضّائع ، والفقير المحتاج ، والأسير المفقود ، وأشباههم في أقاصي البلاد ، وأطراف الأرض ، فعلمت أنّ اللّه سائلي عنهم ، وأنّ محمدا صلّى اللّه عليه وسلم حجيجي فيهم ، فخفت أن لا يثبت لي عند اللّه عذر ، ولا تقوم لي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حجّة ، فخفت على نفسي خوفا دمعت له عيني ، ووجل له قلبي . فأنا كلّما ازددت لهذا ذكرا ، ازددت منه وجلا . وقال : قد أخبرتك فاتّعظي الآن أودعي « 2 » .
هامش
( 1 ) تاريخ ابن عساكر 54 / 159 - 160 ، والكامل في التاريخ 5 / 65 ، وسير أعلام النبلاء 5 / 132 .
( 2 ) سيرة عمر لابن عبد الحكم 178 - 179 ، وتاريخ ابن عساكر 54 / 160 .