وقال الزّبير بن بكّار بإسناده : لمّا ولي عمر ، صعد المنبر ، فكان أوّل خطبة خطبها ، حمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيّها الناس ، من صحبنا فليصحبنا بخمس ، وإلّا فلا يقربنا : يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها ؛ ويعيننا على الخير بجهده ؛ ويدلّنا من الخير على ما لا نهتدي إليه ؛ ولا يغتابنّ عندنا الرّعيّة ؛ ولا يعترض فيما لا يعنيه .
فانقشع عنه الشّعراء والخطباء ، وثبت الفقهاء والزّهّاد ، وقالوا : ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف فعله قوله « 1 » .
وقال السّريّ بن يحيى : إنّ عمر بن عبد العزيز حمد اللّه ، ثم خنقته العبرة ، ثم قال : أيّها الناس ، أصلحوا آخرتكم تصلح لكم دنياكم ، وأصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم ؛ واللّه إنّ عبدا ليس بينه وبين آدم أب إلّا قد مات ، إنّه لمعرق له في الموت « 2 » .
وقال عبد اللّه بن شوذب : خطب عمر فقال : كم من عامر موثّق عمّا قليل يخرب ، وكم من مقيم مغتبط عمّا قليل يظعن ؛ فأحسنوا - رحمكم اللّه - منها الرّحلة بأحسن ما بحضرتكم من النّقلة . بينا ابن آدم في الدّنيا ينافس فيها ، قرير العين قانع ، إذ دعاه اللّه بقدره ، ورماه بيوم حتفه ، فسلبه آثاره ودنياه ، وصيّر لقوم آخرين مصانعه ومغناه . إنّ الدّنيا لا تسرّ بقدر ما تضرّ ، تسرّ قليلا ، وتحزن طويلا « 3 » .
وقال من كلام له : إنّ الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم . ألا إنّ الظالم هو العاصي ، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق « 4 » .
هامش
( 1 ) تاريخ ابن عساكر 54 / 138 ، وسيرة عمر لابن الجوزي 196 ، والكامل في التاريخ 5 / 63 .
( 2 ) سيرة عمر لابن عبد الحكم 136 ، وطبقات ابن سعد 5 / 398 ، والزهد لابن حنبل 296 ، وتاريخ ابن عساكر 54 / 140 . ومعنى قول : معرق له في الموت : أي أنّه أصيل في الموت ، وعرق كل شيء : أصله .
( 3 ) تاريخ ابن عساكر 54 / 140 ، وسيرة عمر لابن الجوزي 197 و 221 .
( 4 ) تاريخ ابن عساكر 54 / 140 .