القوم . فنظروا ، فإذا هو في مؤخّر المسجد . فأتوه فسلّموا عليه بالخلافة ، فعقر « 1 » فلم يستطع النّهوض حتى أخذوا بضبعيه « 2 » ، فرقوا به المنبر ، فلم يقدر على الصّعود حتى أصعدوه ، فجلس طويلا لا يتكلّم . فلمّا رآهم رجاء بن حيوة جلوسا قال : ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعونه ! فنهض القوم إليه فبايعوه رجلا رجلا . فصعد إليه هشام ، فلمّا مدّ يده إليه قال هشام : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون . فقال عمر : نعم ، إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، حيث صار يلي هذا الأمر أنا وأنت . ثم قام عمر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وقال : أيّها الناس ، إنّي لست بقاض ، ولكنّي منفّذ ولست بمبتدع ولكنّي متّبع . وإنّ حولكم من الأمصار والمدن ، فإن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا وليّكم « 3 » ، وإن هم نقموا « 4 » ، فلست لكم بوال . ثم نزل يمشي . فأتاه صاحب « 5 » المراكب فقال : ما هذا ؟ قال : مركب الخليفة . قال : لا حاجة لي فيه ، ائتوني بدابّتي ؛ فأتوه بها ، فركبها حتى خرج يسير ، وخرجوا معه .
فمالوا به إلى طريق ، قال : إلى أين ؟ قالوا « 6 » : إلى البيت الذي يهيّأ للخليفة . قال : لا حاجة لي فيه ، انطلقوا بي إلى منزلي .
قال رجاء : فأتى منزله ، فنزل عن دابّته ، ثم دعا بدواة وقرطاس ، وجعل يكتب بيده إلى العمّال في الأمصار ، ويملّ على نفسه .
قال رجاء : فلقد كنت أظنّ أنّه سيضعف ، فلمّا رأيت صنيعه في الكتاب
هامش
( 1 ) عقر الرجل : فجئه الرّوع فدهش فلم يقدر أن يتقدّم أو يتأخّر . اللسان ( عقر ) .
( 2 ) في ( أ ، ب ) : « بضبعه » والمثبت من تاريخ ابن عساكر ، وسير أعلام النبلاء .
والضّبع بسكون الباء : وسط العضد بلحمه ، يكون للإنسان وغيره ، والجمع أضباع . تقول : أخذ بضبعيه : أي بعضديه . اللسان ( ضبع ) .
( 3 ) في سير أعلام النبلاء 5 / 126 : « واليكم » .
( 4 ) في سير أعلام النبلاء 5 / 126 : « أبوا » .
( 5 ) في ( ب ) : « أصحاب » وهو تصحيف .
( 6 ) في ( أ ) : « قال » ، وهو تصحيف .