من المسلمين فلم يحطهم بنصيحة إلّا جاء يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه لا يفكّها إلّا عدله « 1 » . وأنت أعرف بنفسك .
قال : فبكى الرشيد - وقد كان في خلال هذه الموعظة يبكي ، ولا يسمع له صوت - فلمّا بلغ إلى هذا الفصل بكى الرشيد ، وعلا نحيبه ، وبكى جلساؤه ، وبكى محمد ، وأبو يوسف . فقال الموالي : يا هذا الرّجل ، احبس لسانك عن أمير المؤمنين ، فقد قطعت قلبه حزنا . وقال محمد : اغمد لسانك يا شافعيّ عن أمير المؤمنين ؛ فإنه أمضى من سيفك . والرّشيد يبكي لا يفيق . فأقبل الشّافعيّ على محمد والجماعة ، وقال : اسكتوا ، خرّسكم اللّه ، لا تذهبوا بنور الحكمة .
يا معشر الرّعاء ، وعبيد السّوط والعصا ، أخذ اللّه لأمير المؤمنين منكم ؛ لتلبيسكم الحقّ عليه ، وتزيينكم الملك لديه . أما واللّه ما زالت الخلافة بخير ما صدف عنها أمثالكم ، ولا تزال بشرّ ما اعتصمت بكم . فرفع الرّشيد رأسه ، وأشار إليهم أن كفّوا ، ثم أقبل على الشّافعيّ ، وقال : قد أمرت لك بصلة ، فرأيك في قبولها موفّقا . فقال له الشّافعيّ : كلا ، واللّه لا يراني اللّه تعالى قد سوّدت وجه موعظتي بقبول الجزاء عليها . ولقد عاهدت اللّه عهدا أنّي لا أخلو بملك من الملوك تكبّر في نفسه ، وتصغّر عند ربّه إلّا ذكّرته اللّه تعالى لعلّه يحدث له ذكرا . ثم نهض . فلمّا خرج ، أقبل الرّشيد على محمد ، وأبي يوسف فقال لهما : ما رأيت كاليوم قطّ ، أفرأيتما كيومكما ؟ . فلم يجدا بدّا من أن يقولا : لا . فقال الرشيد لهما : لقد بؤتما اليوم بإثم عظيم لولا أن منّ اللّه عليّ بالتأييد في أمره كنتما قد أوقعتماني فيما لاخلاص لي منه عند ربّي . ثم وثب الرشيد ، وانصرف الناس « 2 » .
هامش
( 1 ) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولا ، حتى يفكّه العدل أو يوبقه الجور » رواه البيهقي في السنن 10 / 96 . قال المناوي في « فيض القدير » 5 / 473 : رواه البزار والطبراني في الأوسط . قال المنذري :
ورجال البزّار رجال الصحيح .
( 2 ) حلية الأولياء 9 / 84 - 91 .