هارون الرّشيد ومعه سراج الخادم ، فأقعد عند أبي عبد الصّمد مؤدّب أولاد الرّشيد ليستأذن له . فقال سراج للشّافعي : يا أبا عبد اللّه ، هؤلاء أولاد أمير المؤمنين ، وهذا مؤدّبهم فلو أوصيته بهم . فأقبل عليه ، فقال : ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحك نفسك فإنّ أعينهم معقودة بعينك ، فالحسن عندهم ما تستحسنه ، والقبيح عندهم ما تكرهه ، علّمهم كتاب اللّه ولا تكرههم عليه فيملّوه ، ولا تتركهم منه فيهجروه . ثم روّهم من الشّعر أعفّه ، ومن الحديث أشرفه ولا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يحكموه ؛ فإنّ ازدحام الكلام في السّمع مضلّة للفهم « 1 » .
وقال : من نظف ثوبه قلّ همّه . ومن طاب ريحه زاد عقله « 2 » .
وقال : لن لمن يجفو ؛ فقلّ من يصفو « 3 » .
وقال الربيع : سمعت الشّافعيّ ، وسأله رجل عن مسألة فقال : روي فيها كذا وكذا عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم . فقال له السّائل : يا أبا عبد اللّه ، تقول به ؟ فرأيت الشّافعيّ أرعد وانتفض ، وقال : يا هذا ، أيّ أرض تقلّني ، وأيّ سماء تظلّني إذا رويت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حديثا فلم أقل به : نعم ، على السّمع والبصر « 4 » .
وقال في رواية أخرى : إذا رويت عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم حديثا صحيحا فلم آخذ به فأنا أشهدكم أنّ عقلي قد ذهب . ومدّ يديه « 4 » .
وقال أبو بيان الأصبهانيّ : رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في النوم ، فقلت : يا رسول اللّه ، محمد بن إدريس الشافعي ابن عمّك هل نفعته بشيء أو خصصته بشيء ؟ قال : نعم ، سألت اللّه تعالى أن لا يحاسبه . فقلت : بماذا يا رسول
هامش
( 1 ) الحلية 9 / 147 .
( 2 ) صفة الصفوة 2 / 256 .
( 3 ) صفة الصفوة 2 / 256 والعبارة فيه : لن يجفو فعل من يصفو .
( 4 ) حلية الأولياء 9 / 106 .