وقال محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم : ما رأينا مثل الشّافعيّ ، كان أصحاب الحديث ونقّاده يجيئون إليه ، فيعرضون عليه ، فربّما أعلّ نقد النّقاد منهم ، ويقفهم على غوامض من علل الحديث لم يقفوا عليها ، فيقومون وهم متعجّبون منه . ويأتيه أصحاب الفقه المخالفون والموافقون ولا يقومون إلّا وهم مذعنون له بالحذق والدّيانة . ويجيئه أصحاب الأدب ، فيقرءون عليه الشّعر فيفسّره . ولقد كان يحفظ عشرة آلاف بيت من أشعار هذيل بإعرابها وغريبها ومعانيها . وكان من أضبط النّاس للتّاريخ . وكان يعينه على ذلك شيئان : وفور عقل ، وصحّة دين . وكان ملاك أمره إخلاص العمل للّه تعالى « 1 » .
وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من الفتيا والتّفسير يسأل عنها ، التفت إلى الشّافعيّ فيقول : سلوا هذا « 2 » .
وروى سفيان يوما حديثا من الرّقائق ، فغشي على الشّافعيّ فقيل : إنّه قد مات . فقال : إن مات فقد مات أفضل أهل زمانه « 3 » .
وقال المزني : قدم الشّافعيّ - وكان بمصر - على عبد الملك بن هشام صاحب المغازي - وكان علّامة أهل مصر في العربية والشّعر - فقيل له في المصير إلى الشافعي ، فتثاقل ، ثم ذهب إليه . وقال : ما ظننت أنّ اللّه تعالى خلق مثل الشافعي . وكان ابن هشام بعد ذلك قد اتّخذ قول الشّافعيّ حجة في اللّغة « 4 » .
وقال محمد بن الفضل البزّار : قال أبي : حججت مع أحمد بن حنبل ونزلت في مكان واحد معه - يعني بمكة - فخرج أحمد باكرا ، وخرجت
هامش
( 1 ) مختصر تاريخ دمشق 21 / 380 ، 381 .
( 2 ) الحلية 9 / 92 .
( 3 ) الحلية 9 / 95 .
( 4 ) انظر مختصر تاريخ دمشق 21 / 391 .