المشايخ ، فكانوا يعقدون حلقة ، وصدر الحلقة لأبي عمرو الزّجّاجي . وإذا تكلّموا في شيء رجع الجميع إلى قوله « 1 » .
وله الكلام البليغ ، والمعاني الرّائقة ، والكرامات الظّاهرة .
روي أنّه جاءه بعض العجم ، فقال له : أعطني البراءة ، فإنّي قد حججت ، وأصحابك قد دلّوني عليك . لآخذ منك البراءة . فعلم أبو عمرو سلامة صدره ، وأنّ أصحابه قد مازحوه ، فقال له : اذهب إلى ذلك الموضع ، وأشار إلى الملتزم ، فقل : يا ربّ ، أعطني البراءة . قال : فما لبثنا إلّا قليلا حتى انصرف الرّجل وبيده قطعة قرطاس مكتوب عليها بالخضرة :
بسم اللّه الرّحمن الرحيم ، هذه براءة فلان من النّار ، اسم ذلك الرجل .
وقال الزّجّاجيّ : ماتت أمي فورثت منها دارا بعتها بخمسين دينارا ، وخرجت إلى الحجّ ، فلمّا بلغت بابل استقبلني واحد من القناقنة وقال : أيّ شيء معك ؟ فقلت في نفسي : الصدق خير . قلت : معي خمسون دينارا .
فقال : ناولنيها . فناولته الصّرّة ، فعدّها فكانت كما قلت ، فقال لي : خذها ، فقد أخذني صدقك . ثم نزل من الدّابّة ، وقال لي : اركبها . فقلت : لا أريد .
فقال : لا بدّ . وألحّ عليّ فركبتها . فقال : أنا على أثرك . فلمّا كان العام القابل لحق بي إلى مكّة ، ولازمني حتى مات « 2 » .
وقال : المعرفة على ستّة أوجه : معرفة الوحدانية ، ومعرفة التّعظيم ، ومعرفة المنّة ، ومعرفة القدرة ، ومعرفة الأزل ، ومعرفة الأسرار « 1 » .
وقال : من تكلّم عن حال لم يصل إليه كان كلامه فتنة لمن يسمعه ، وهوى يتولّد في قلبه « 3 » .
هامش
( 1 ) طبقات الصوفية 431 .
( 2 ) العقد الثمين 1 / 409 .
( 3 ) طبقات الصوفية 432 .