تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
وقال لبعض أصحابه : خف سطوة العدل ، وارج دقّة الفضل ، ولا تأمن مكره ، وإن أنزلك الجنان . ففي الجنّة وقع لأبيك آدم ما وقع ، وقد يقطع بقوم فيها فيقال لهم :
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ
[ الحاقة : 24 ] فشغلهم عنه بالأكل والشّرب ، ولا مكر فوق هذا ، ولا حسرة أعظم منها « 1 » . وقال : علامة الصّوفيّ الصّادق أن يفتقر بعد الغنى ، ويذلّ بعد العزّ ، ويخفى بعد شهرة . وعلامة الصّوفيّ الكاذب أن يستغني بعد الفقر ، ويعزّ بعد الذّل ، ويشتهر بعد الخفاء « 2 » . وروي أنه سمع رجلا من أصحابه وهو يلوم بعض إخوانه على إظهار وجده ، وغلبة الحال عليه ، وإظهار سرّه في مجلس فيه بعض الأضداد . فقال له أبو حمزة : أقصر يا أخي ! فالوجد الغالب يسقط التمييز ، ويجعل الأماكن كلّها مكانا واحدا ، والأعيان عينا واحدا . ولا لوم على من غلب عليه وجده ، وما أحسن ما قال ابن الرّوميّ :
فدع الملامة للمحبّ فإنّها * بئس الدّواء لموجع مقلاق لا تطفئنّ جوى بلوم إنّه * كالرّيح يغري النّار بالإحراق « 3 »
وقال أبو سعيد الزّيادي : كان أبو حمزة أستاذ البغداديين ، وهو أوّل من تكلّم ببغداد في هذه المذاهب ، من صفاء الذّكر ، وجمع الهمم ، والمحبّة والشّوق والقرب والأنس . لم يسبقه إلى الكلام في هذا على رؤوس النّاس ببغداد أحد . وما زال مقبولا حسن المنزلة عند النّاس إلى أن توفّي « 4 » .
هامش
( 1 ) الحلية 10 / 322 . ( 2 ) سير أعلام النبلاء 13 / 166 . ( 3 ) الخبر في الوافي بالوفيات 1 / 344 ، والأبيات في ديوان ابن الرومي صفحة ( 1663 ) من قصيدة مطلعها :لا تكثرنّ ملامة العشاق * فكفاهم بالوجد والأشواق( 4 ) تاريخ بغداد 1 / 393 .