تلطّفت في أمري وأبديت شاهدي * إلى غائبي واللّطف يدرك باللّطف
تراءيت لي بالغيب حتى كأنّما * تبشّرني بالغيب أنّك بالكفّ « 1 »
أراك وبي من هيبتي لك وحشة * فتؤنسني باللّطف منك وبالعطف
وتحيي محبّا أنت في الحبّ حتفه * وذا عجب كون الحياة مع الحتف
وقال الخلدي : خرج طائفة من مشايخ المتصوّفة يستقبلون أبا حمزة الصّوفيّ في قدومه من مكّة ، فإذا به قد شحب لونه . فقال الجريري : يا سيّدي ، هل تتغيّر الأسرار إذا تغيّرت الصّفات ؟ قال : معاذ اللّه ، لو تغيّرت الأسرار لتغيّر الصّفات لهلك العالم ، ولكنّه ساكن الأسرار فحماها ، وأعرض عن الصّفات فلاشاها . ثم تركنا وولّى وهو يقول :
كما ترى صيّرني * قطع قفار الدّمن
شرّدني عن وطني * كأنّني لم أكن
إذا تغيّبت بدا * وإن بدا غيّبني
يقول لا تشهد ما * تشهد أو تشهدني « 2 »
وقال الجنيد : وافى أبو حمزة من مكّة ، وعليه وعثاء السّفر ، فسلّمت عليه ، وشهّيته . فقال لي : سكباج وعصيدة تحلّيني بها . فأخذت مكّوك « 3 » دقيق ، وعشرة أرطال لحم ، وباذنجان ، وخلّا ، وعشرة أرطال دبس . وعملنا له سكباجة وعصيدة ، ووضعناها في حيريّ « 4 » لنا وأدخلته الدّار ، وأسبلت السّتر . فدخل وأكل الجميع فلمّا فرغ من أكله ، دخلت عليه ، وقد أتى على كلّه ، فقال لي : يا أبا القاسم ، لا تعجب فهذا من مكّة الأكلة الثّالثة « 5 » .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : أنك بالكهف .
( 2 ) تاريخ بغداد 1 / 392 .
( 3 ) المكوك : مكيال يسع صاعا ونصفا . القاموس ( مكك ) .
( 4 ) الحير : شبه الحظيرة ، أو الحمى . القاموس ( حير ) .
( 5 ) طبقات الصوفية 297 .