تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
العاجلة ، ويسرّني أن يلقاني ويسوؤني أيضا ؛ ( * فأمّا ما يسرّني من لقائه فأرجو أن يكون لي فيه بعض الكبحات عن غيّه . وأمّا الذي يسوؤني منه * ) « 1 » فلم أر مثله يرفل في سوابغ النّعم عريانا من الشكر . ثم قطب بين عينيه وقال : ما قدر من كان للّه عاصيا ؟ لا حاجة لي في لقائه . فلم أزل أرفق به حتى أذن له ، فرجعت إلى الرشيد فأعلمته ، وقلت له : ليس تطمع فيه إلا وقت إفطاره . وكان إفطاره كاختطاف الطائر حبّة . فركب الرشيد ولبس مبطنه وطيلسانه ، وغطّى رأسه ، ومعه مسرور الخادم وأنا ، فدققت عليه الباب ، فنزل وفتح ودخل ودخلت معه ، ووقف مسرور على الباب ، فسلّم عليه الرشيد قائما ، فشمّ منه رائحة المسك فقال الفضيل : اللهمّ إنّي أسألك رائحة الخلد التي أعددتها لأوليائك المتّقين في جنّات النعيم . ثم تبادرت دموعه على لحيته . فقلت : يا أبا علي ، هذا أمير المؤمنين واقف يسلّم عليك . فرفع رأسه ، وقال : وإنك لهو يا حسن الوجه . ونظر إلى الرشيد وهو يبكي ، فقال له : اعلم أنّ الأحكام قد سلبت فضيلة العدل ، وظهر في الملّة والذّمّة عدوان الأمرين وهو في صحيفة تدرج معك في كفنك ليوم النّشور ، وقد بدا لك « 2 » سرعة نفاد ما أنت فيه من تقدّمك من آبائك . ثم نهض ، وقال : اللّه أكبر . فقلت : يا أمير المؤمنين ! أما إذا افتتح الصلاة فليس فيه حيلة . وانصرفنا ، فقال لي الرشيد ، وهو خارج : لولا خجلي منك لقبّلت ما بين عينيه . فقلت : واللّه لوددت أن فعلت . وقال إبراهيم بن الأشعث : ما رأيت أحدا كان اللّه في صدره أعظم من الفضيل ، كان إذا ذكر اللّه تعالى أو ذكر عنده ، أو سمع القرآن ظهر به الخوف والحزن ، وفاضت عيناه ، وبكى حتى يرحمه من بحضرته . وكان دائم الحزن ، شديد الفكرة ، ما رأيت رجلا يريد اللّه بعلمه وعمله ، وأخذه
هامش
( 1 ) ( * - * ) ما بينهما ليس في ( أ ) . ( 2 ) في ( أ ) : « بدأ إليك » .