تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
السّراج ، والتجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة ، فجلس فيها . فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كفّ هارون كفّي إليه فقال : أوّاه من كفّ ما ألينها إن نجت من عذاب اللّه ! فقلت في نفسي : ليكلّمنّه الليلة بكلام نقيّ من قلب تقيّ . فقال له : خذ لما جئناك له رحمك اللّه . فقال : يا أمير المؤمنين ، بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكي إليه ، فكتب إليه : يا أخي ، اذكر طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد ، فإنّ ذلك يطرق « 1 » بك إلى الرّبّ نائما ويقظانا « 2 » ، وإيّاك أن ينصرف بك من عند اللّه فيكون آخر العهد وينقطع الرجاء . فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر . فقال له عمر : ما أقدمك ؟ قال : خلعت قلبي بكتابك ، لا وليت لك ولاية حتى ألقى اللّه . فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا . ثم قال له : زدني رحمك اللّه . فقال : يا أمير المؤمنين بلغني أنّ عمر بن عبد العزيز لمّا ولي الخلافة دعا سالم بن عبد اللّه ، ومحمد بن كعب القرظي ، ورجاء بن حيوة ، فقال لهم : إنّي بليت بهذا البلاء ، فأشيروا عليّ . فعدّ الخلافة بلاء ، وعددتها أنت وأصحابك نعمة . فقال محمد بن كعب : إن أردت النجاة غدا من عذاب اللّه فليكن كبير المسلمين عندك أبا ، وأوسطهم عندك أخا ، وأصغرهم عندك ولدا ؛ فوقّر أباك ، وأكرم أخاك ، وتحنّن على ولدك . فقال له سالم بن عبد اللّه : إن أردت النجاة غدا من عذاب اللّه فصم الدنيا وليكن إفطارك منها الموت . وقال رجاء بن حيوة : إن أردت النجاة غدا من عذاب اللّه فأحبّ للمسلمين ما تحبّ لنفسك ، واكره لهم ما تكره لنفسك ، ثم مت إذا شئت ، وإنّي لأقول لك هذا وإنّي لأخاف عليك أشدّ الخوف يوم تزلّ فيه الأقدام ، فهل معك رحمك اللّه من يأمرك
هامش
- حسن غريب . وهو في الحلية 8 / 106 : « بذل » . ( 1 ) الطّرق : سرعة المشي . اللسان ( طرق ) ، وفي مختصر تاريخ دمشق 20 / 324 : يطّرد بك وهما بمعنى . ( 2 ) كذا بالتنوين وهو لغية عن بعض بني أسد . شرح المفصل 1 / 67 .